الغزالي
29
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
نعيمك في الدنيا غرور وحسرة * وعيشك في الدنيا محال وباطل قال أبو علي الدقاق : دخلت على رجل صالح أعوده « 1 » وهو مريض ، وكان من المشايخ الكبار ، وحوله تلاميذه ، وهو يبكي ، وقد بلغ أرذل العمر . فقلت له : أيها الشيخ ممّ بكاؤك ؟ أعلى الدنيا ؟ فقال : كلا ، بل أبكي على فوت صلاتي ، قلت : وكيف ذلك وقد كنت مصليّا ؟ قال : لأني قد بقيت إلى يومي هذا وما سجدت إلا في غفلة ، ولا رفعت رأسي إلا في غفلة ، وها أنا أموت على الغفلة ، ثم إنه تنفس الصّعداء وأنشد يقول : تفكّرت في حشري ويوم قيامتي * وإصباح خدي في المقابر ثاويا فريدا وحيدا بعد عزّ ورفعة * رهينا بجرمي والتراب وساديا تفكرت في طول الحساب وعرضه * وذل مقامي حين أعطى كتابيا ولكن رجائي فيك ربي وخالقي * بأنك تعفو يا إلهي خطائيا وفي ( عيون الأخبار ) ذكر عن شقيق البلخي أنه قال : الناس يقولون ثلاثة أقوال ، وقد خالفوها في أعمالهم : يقولون نحن عبيد اللّه ، وهم يعملون عمل الأحرار ، وهذا خلاف قولهم . ويقولون : إن اللّه كفيل بأرزاقنا ، ولا تطمئن قلوبهم إلا بالدنيا ، وجمع حطامها ، وهذا أيضا خلاف قولهم . ويقولون : لا بدّ لنا من الموت ، وهم يعملون أعمال من لا يموت ، وهذا أيضا خلاف قولهم . فانظر لنفسك يا أخي بأي بدن تقف بين يدي اللّه تعالى ؟ وبأي لسان تجيبه ؟ وماذا تقول إذا سألك عن القليل والكثير ؟ فأعدّ للسؤال جوابا ، وللجواب صوابا : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ « 2 » أي من الخير والشر . ثم وعظ المؤمنين بأن لا يتركوا أمره وبأن يوحدوه في السر والعلانية . جاء في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « مكتوب على ساق العرش : أنا مطيع من
--> ( 1 ) أعوده : أزوره . ( 2 ) سورة الحشر ، الآية : 18 .