الغزالي
285
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
52 - باب : في بيان فضل الخوف من الذنب اعلم أنّ أعظم زاجر عن الذنوب هو خوف اللّه تعالى ، وخشية انتقامه وسطوته ، وحذر عقابه وغضبه وبطشه : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » . جاء أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على شاب وهو في الموت ، فقال : « كيف تجدك ؟ » قال : أرجو اللّه يا رسول اللّه وأخاف ذنوبي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن ، إلا أعطاه اللّه ما يرجو ، وآمنه « 2 » مما يخاف » . وعن وهب بن ورد قال : كان عيسى صلّى اللّه على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلّم يقول : حب الفردوس ، وخشية جهنم يورثان الصبر على المصيبة ، ويبعدان العبد من لذات الدنيا وشهواتها ومعاصيها . وعن الحسن قال : واللّه ، لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أنفق أحدهم عدد الحصى ذهبا يخشى أن لا ينجو ، لعظم الذنب في نفسه . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هل تسمعون ما أسمع ؟ . أطّت « 3 » السماء وحق لها أن تئط ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد للّه تعالى أو قائم أو راكع ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم أو لصعدتم إلى الصعدات - أي الجبال - تجأرون إلى اللّه تعالى خوفا من عظيم سطوته وشدة انتقامه » . وفي رواية : « لا تدرون تنجون أو لا تنجون » .
--> ( 1 ) سورة النور ، الآية : 63 . ( 2 ) أي أعطاه الأمان من الخوف . ( 3 ) أطّت : من الأطيط وهو كثرة الصوت من الملائكة حتى أثقلها وجعلتها تئط .