الغزالي

237

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

43 - باب : في التفكر في الأيام وغيرها قد أمر اللّه تعالى بالتفكر والتدبّر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى . فقال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 1 » الآية أي تعاقبهما في المجيء والذّهاب يخلف أحدهما صاحبه . إذا ذهب أحدهما ذهب جاء الآخر خلفه . أي بعده . قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً « 2 » قال عطاء : أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة والنقصان . وما أحسن قول القائل : يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن الحوادث قد تطرقن أسحارا لا تفرحن بليل طاب أوله * فربّ آخر ليل أجّج النارا وقول آخر : إنّ الليالي للأنام مناهل * تطوى وتنشر دونها الأعمار فقصارهنّ مع الهموم طويلة * وطوالهنّ مع السرور قصار وأثنى اللّه على المتفكرين ، فقال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا « 3 » وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إنّ قوما تفكرّوا في اللّه عزّ وجلّ ، وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « تفكّروا في خلق اللّه ولا تفكروا في اللّه فإنكم لن تقدروا قدره » . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرّون ، وقال : « ما لكم لا تتكلمون ؟ » فقالوا : نتفكر في خلق اللّه عزّ وجلّ . قال : « فكذلك فافعلوا . وتفكّروا في خلقه ، ولا تتفكروا فيه ، فإن بهذا المغرب أرضا بيضاء ، نورها وبياضها نورها ، مسيرة الشمس أربعين يوما ، بها خلق من خلق اللّه عزّ وجلّ ، لم يعصوا اللّه طرفة عين »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 164 . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : 62 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 191 .