الغزالي

235

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

الْجِبالَ طُولًا « 1 » . ومرّ بالحسن شابّ عليه بزّة « 2 » له حسنة ، فدعاه . فقال له : ابن آدم معجب بشبابك ، محبّ لشمائلك ، كأنّ القبر قد وارى « 3 » بدنك ، وكأنّك قد لاقيت عملك ، ويحك داو قلبك ، فإن حاجة اللّه إلى العباد صلاح قلوبهم . وروي أنّ عمر بن عبد العزيز حجّ قبل أن يستخلف ، فنظر إليه طاوس وهو يختال في مشيته ، فغمز جنبه بأصبعه ثم قال : ليست هذه مشية من في بطنه خرء ، فقال عمر كالمعتذر : يا عمّ ، لقد ضرب كلّ عضو منّي على هذه المشية حتى تعلّمتها . ورأى محمد بن واسع ولده يختال فدعاه ، وقال : أتدري من أنت ؟ أمّا أمّك فاشتريتها بمائة درهم ، وأمّا أبوك فلا أكثر اللّه في المسلمين مثله . ورأى ابن عمر رجلا يجرّ إزاره فقال : إنّ للشيطان إخوانا ، كرّرها مرّتين أو ثلاثا . ويروى أنّ مطرّف بن عبد اللّه بن الشخّير رأى المهلّب وهو يتبختر في جبّة خزّ فقال : يا عبد اللّه ! هذه مشية يبغضها اللّه ورسوله ، فقال له المهلّب : أما تعرفني ؟ فقال : بلى أعرفك ، أوّلك نطفة مذرة « 4 » ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت بين ذلك تحمل العذرة « 5 » ، فمضى المهلّب ، وترك مشيته تلك . وأنشدوا في هذا المعنى : عجبت من معجب بصورته * وكان بالأمس نطفة مذره وفي غد بعد حسن هيئته * يصير في القبر جيفة قذره وأنشد خلف الأحمر : لنا صاحب مولع بالخلاف * كثير الخطاء قليل الصواب أشدّ لجاجا من الخنفساء * وأزهى إذا ما مشى من غراب

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 37 . ( 2 ) بزّة : نوع من الثياب الفاخرة . ( 3 ) وارى : أي ستره وأخفاه . ( 4 ) مذرة : فاسدة ورائحتها نتنة . ( 5 ) العذرة : أي الغائط .