الغزالي
222
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال الآخر : أسألك من بينهم أن تعمي عينيّ عن النظر إلى الدنيا وأهلها ، وقلبي عن الاشتغال بغير الآخرة ، وقال الآخر : قد عرفت - تباركت وتعاليت - أنّك أنت تحبّ أولياءك ، فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كلّ شيء دونك . فأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : قل لهم : قد سمعت كلامكم ، وأجبتكم إلى ما أحببتم ، فليفارق كلّ واحد منكم صاحبه . وليتّخذ لنفسه سردابا « 1 » ، فإنّي كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا نوري وجلالي . فقال داود : يا ربّ بم نالوا هذه منك ؟ قال : بحسن الظنّ ، والكفّ عن الدنيا وأهلها ، والخلوات بي ، ومناجاتهم لي ، وإنّ هذا منزل لا يناله إلا من رفض الدنيا وأهلها ، ولم يشتغل بشيء من ذكرها ، وفرّغ قلبه لي ، واختارني على جميع خلقي ، فعند ذلك أعطف عليه ، وأفرّغ نفسه ، وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه ، حتى ينظر إليّ نظر الناظر بعينه إلى الشيء ، وأريه كرامتي في كلّ ساعة ، وأقرّبه من نور وجهي ، إن مرض مرّضته كما تمرّض الوالدة الشفوقة ولدها ، وإن عطش أرويته ، وأذيقه طعم ذكري ، فإذا فعلت ذلك به يا داود عميت نفسه عن الدنيا وأهلها ، ولم أحبّبها إليه ، لا يفتر « 2 » عن الاشتغال بي ، يستعجلني القدوم « 3 » ، وأنا أكره أن أميته لأنّه موضع نظري من بين خلقي ، لا يرى غيري ، ولا أرى غيره ، فلو رأيته يا داود وقد ذابت نفسه ، ونحل جسمه ، وتهشّمت أعضاؤه ، وانخلع قلبه إذا سمع بذكري ، أباهي به ملائكتي ، وأهل سماواتي ، يزداد خوفا وعبادة ، وعزّتي وجلالي يا داود لأقعدنّه في الفردوس ، ولأشفينّ صدره من النظر إليّ حتى يرضى ، وفوق الرضا . وفي أخبار داود أيضا : قل لعبادي المتوجّهين إلى محبّتي : ما ضرّكم إذا احتجبت عن خلقي ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إليّ بعيون قلوبكم ، وما ضرّكم ما زويت « 4 » عنكم من الدنيا إذا بسطت ديني لكم ، وما ضرّكم مسخطة الخلق إذا التمستم رضائي .
--> ( 1 ) سردابا : السرداب هو : بناء تحت الأرض يلجأ إليه من حر الصيف . ( 2 ) لا يفتر : لا يضعف . ( 3 ) القدوم : يعني الموت ، والقدوم على الحق جل وعلا . ( 4 ) زويت عنكم : أبعدت عنكم .