الغزالي

213

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ، يطوّقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهازمه » يعني أشداقه « فيقول : أنا مالك ، أنا كنزك ، ثم تلا قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ « 1 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن في النار لحيّات مثل أعناق البخت « 2 » ، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا ، وإنّ فيها لعقارب كالبغال الموكفة « 3 » ، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا » . وهذه الحيّات والعقارب إنما تسلّط على من سلّط عليه في الدنيا البخل ، وسوء الخلق ، وإيذاء الناس . ومن وقي « 4 » ذلك وقي هذه الحيّات ، فلم تمثّل له . ثم تفكّر بعد هذا كلّه في تعظيم أجسام أهل النار ، فإنّ اللّه تعالى يزيد في أجسامهم طولا وعرضا ، حتى يتزايد عذابهم بسببه ، فيحسّون بلفح النار ، ولدغ العقارب والحيّات من جميع أجزائها دفعة واحدة على التوالي . قال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ضرس الكافر في النار مثل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاث » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « شفته السّفلى ساقطة على صدره ، والعليا قالصة قد غطّت وجهه » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الكافر ليجرّ لسانه في سجّين يوم القيامة يتواطأه الناس » . ومع عظم الأجسام كذلك تحرقهم النار مرّات ، فتجدّد جلودهم ولحومهم . قال الحسن في قوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها « 5 »

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 180 . ( 2 ) أعناق البخت : هي أعناق الإبل الخراسانية . ( 3 ) الموكفة : هي البغال الموضوع عليها الإكاف أي الرّحل . ( 4 ) وقي : أي من صانه اللّه عن الأذى أو حماه . ( 5 ) سورة النساء ، الآية : 56 .