الغزالي

20

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فخرج إلى مفازة « 1 » ليس فيها خلق ولا زرع ولا وحوش ولا طيور ، فمرض في تلك المفازة وليس عنده معين يعينه ، فوقع على التراب ووضع رأسه عليه وقال : لو كانت والدتي عند رأسي لرحمتني ، ولبكت على مذلتي ، ولو كان والدي حاضرا لأعانني وتولّى أمري ، ولو كانت زوجتي حاضرة لبكت على فراقي ، ولو كان أولادي حاضرين عندي لبكوا خلف جنازتي ولقالوا : اللهم اغفر لوالدنا الغريب الضعيف العاصي الفاسق المطرود من بلده إلى قرية ومن القرية إلى مفازة ، ومن المفازة يخرج من الدنيا إلى الآخرة آيسا من كل الأشياء . اللهم قطعتني عن والديّ وأولادي وزوجتي فلا تقطعني من رحمتك فإنك أحرقت قلبي بفراقهم ، فلا تحرقني بنارك لأجل معصيتي . فأرسل اللّه تعالى له حوراء على صفة أمّه ، وحوراء على صفة زوجته ، وغلمانا على صفة أولاده ، وملكا على صفة والده فجلسوا عنده وبكوا عليه فقال : إنّ هذا والدي ووالدتي وزوجتي وأولادي حضروا عندي وطاب قلبه ووصل إلى رحمة اللّه تعالى طاهرا مغفورا له ، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : اذهب إلى مفازة كذا وموضع كذا فإنه مات فيها وليّ من الأولياء ، فأحضره وتولّ أمره وواره . فلمّا حضر موسى عليه السلام ذلك الموضع رأى الشاب الذي كان أخرجه من البلد ، ومن القرية بأمر اللّه تعالى ، ورأى الحور العين حواليه ، فقال موسى عليه السلام : يا رب أما هذا الشاب الذي أخرجته من البلد ومن القرية بأمرك ؟ فقال اللّه تعالى : يا موسى إني رحمته وتجاوزت عنه بأنينه في موضعه وفراقه وطنه ووالدته ووالده وأولاده وزوجته ، وأرسلت إليه حوراء على صفة والدته ، وملكا على صفة والده وحوراء على صفة زوجته يترحمون على مذلّته في غربته ، فإنه إذا مات الغريب بكى عليه أهل السماوات وأهل الأرض رحمة له ، فكيف لا أرحمه وأنا أرحم الراحمين ؟ . إذا وقع الغريب في النّزع « 2 » يقول اللّه تعالى : يا ملائكتي هذا غريب مسافر ترك أولاده وعياله ووالديه ، وإذا مات لا يبكي عليه أحد ولا يحزن . ثم يجعل اللّه واحدا من الملائكة على صورة أبيه ، وواحدا على صورة أمّه ، وواحدا على صورة ولده ، وواحدا

--> ( 1 ) المفازة : هي الصحراء ، أو المكان الخالي . ( 2 ) النّزع : احتضار المريض .