الغزالي

198

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وهذا تنبيه على أنّ ذلك إنّما ينال بالتخلّق بأخلاق اللّه ، وهو إصلاح ذات البين ، وسائر الأخلاق . فتفكّر الآن في نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم ، أو تلطّف لك حتّى عفا عنك ، وأيقنت بسعادة الأبد ، كيف يكون سرورك في منصرفك من مفصل القضاء ، وقد خلع عليك خلعة الرّضاء ، وعدت بسعادة ليس بعدها شقاء ، وبنعيم لا يدور بحواشيه الفناء ؟ وعند ذلك طار قلبك سرورا وفرحا ، وابيضّ وجهك واستنار وأشرق كما يشرق القمر ليلة البدر ، فتوهّم تبخترك « 1 » بين الخلائق رافعا رأسك ، خاليا عن الأوزار ظهرك ، ونضرة نسيم النعيم ، وبرد الرّضا يتلألأ من جبينك ، وخلق الأوّلين والآخرين ينظرون إليك ، وإلى حالك ، ويغبطونك في حسنك وجمالك ، والملائكة يمشون بين يديك ومن خلفك ، وينادون على رؤوس الأشهاد : هذا فلان بن فلان رضي اللّه عنه وأرضاه ، وقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا . أفترى أنّ هذا المنصب ليس بأعظم من المكانة التي تنالها في قلوب الخلق في الدنيا بريائك ومداهنتك ، وتصنّعك وتزيّنك ؟ . فإن كنت تعلم أنّه خير منه ، بل لا نسبة له إليه ، فتوسّل إلى إدراك هذه الرتبة بالإخلاص الصافي ، والنيّة الصادقة في معاملتك مع اللّه ، فلن تدرك ذلك إلا به ، وإن تكن الأخرى والعياذ باللّه بأن خرج من صحيفتك جريمة كنت تحسبها هيّنة ، وهي عند اللّه عظيمة ، فمقتك لأجلها ، فقال : عليك لعنتي يا عبد السوء ، لا أتقبّل منك عبادتك ، فلا تسمع هذا النداء إلّا ويسودّ وجهك ، ثم تغضب الملائكة لغضب اللّه تعالى ، فيقولون : وعليك لعنتنا ، ولعنة الخلائق أجمعين ، وعند ذلك تنثال « 2 » إليك الزبانية ، وقد غضبت لغضب خالقها ، فأقدمت عليك بفظاظتها وزعارتها « 3 » وصورها النكرة ، فأخذوا بناصيتك يسحبونك على وجهك على ملأ الخلائق ، وهم ينظرون إلى اسوداد وجهك ، وإلى ظهور خزيك وأنت تنادي بالويل والثبور ، وهم يقولون لك : لا تدع اليوم ثبورا « 4 » واحدا وادع

--> ( 1 ) تبخترك : تكبّرك . ( 2 ) تنثال : تنصب . ( 3 ) زعارتها : شراستها . ( 4 ) ثبورا : هلاكا .