الغزالي

196

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فتقول : أين حسناتي ؟ فيقال : نقلت إلى صحيفة خصمائك ، وترى صحيفتك مشحونة « 1 » بسيّئات طال في الصبر عنها نصبك ، واشتدّ بسبب الكفّ عنها عناؤك ، فتقول : يا ربّ هذه سيئات ما قارفتها قطّ ، فيقال : هذه سيّئات القوم الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسّوء ، وظلمتهم في المبايعة والمجاورة ، والمخاطبة والمناظرة ، والمذاكرة والمدارسة ، وسائر أصناف المعاملة . قال ابن مسعود : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ، ولكن سيرضى منكم بما هو دون ذلك بالمحقّرات . وهي الموبقات ، فاتّقوا الظلم ما استطعتم ، فإنّ العبد ليجيء يوم القيامة بأمثال الجبال من الطاعات ، فيرى أنّهن سينجينه ، فما يزال عبد يجيء فيقول : ربّ إن فلانا ظلمني بمظلمة ، فيقول : امح من حسناته ، فما يزال كذلك حتى لا يبقى له من حسناته شيء ، وإن مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب ، فتفرّق القوم فحطبوا ، فلم يلبثوا أن أعظموا نارهم ، وصنعوا ما أرادوا ، وكذلك الذنوب » . ولما نزل قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ « 2 » . قال الزبير : يا رسول اللّه ، أيكرّر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصّ الذنوب ؟ قال : « نعم ، ليكررنّ عليكم حتى تؤدّوا إلى كلّ ذي حقّ حقّه » . قال الزبير : واللّه إن الأمر لشديد . فأعظم بشدّة يوم لا يسامح فيه بخطرة ، ولا يتجاوز فيه عن لطمة ، ولا عن كلمة ، حتى ينتقم للمظلوم من الظالم . قال أنس : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يحشر اللّه العباد عراة غبرا بهما » قال : قلنا : ما بهما ؟ قال : « ليس معهم شيء ، ثم يناديهم ربّهم تعالى بصوت يسمعه من بعد ، كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الدّيّان ، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنّة ولأحد من أهل النار عليه مظلمة حتى أقتصّه منه ، ولا لأحد من أهل النار أن

--> ( 1 ) مشحونة : مليئة . ( 2 ) سورة الزمر ، الآيتان : 30 ، 31 .