الغزالي

194

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » . وقال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين باعا ، ويلجمهم ، ويبلغ آذانهم » . . كذا رواه البخاري ومسلم في الصحيح . وفي حديث آخر : « قياما شاخصة « 1 » أبصارهم أربعين سنة إلى السماء ، فيلجمهم العرق من شدّة الكرب » . وقال عقبة بن عامر : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تدنو « 2 » الشمس من الأرض يوم القيامة ، فيعرق الناس ، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبه « 3 » ، ومنهم من يبلغ نصف ساقه ، ومنهم من يبلغ ركبته ، ومنهم من يبلغ فخذه ، ومنهم من يبلغ خاصرته ، ومنهم من يبلغ فاه » وأشار بيده ، فألجمها فاه « ومنهم من يغطّيه العرق » وضرب بيده على رأسه هكذا . فتأمّل يا مسكين في عرق أهل المحشر ، وشدّة كربهم ، وفيهم من ينادي فيقول : ربّ أرحني من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار ، وكلّ ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا ، فإنك واحد منهم ، ولا تدري إلى أين يبلغ بك العرق ؟ . واعلم أنّ كلّ عرق لم يخرجه التعب في سبيل اللّه ، من حجّ وجهاد وصيام وقيام وتردّد في قضاء حاجة مسلم ، وتحمّل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر ، فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة ويطول فيه الكرب ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق في تحمّل مصاعب الطاعات أهون أمرا ، وأقصر « 4 » زمانا من عرق الكرب والانتظار في القيامة ، فإنّه يوم عظيمة شدّته ، طويلة مدّته .

--> ( 1 ) شاخصة : مرفوعة إلى الاعلى . ( 2 ) تدنو : تقترب . ( 3 ) عقبه : العقب هو عظم مؤخر القدم وهو أكبر عظامها . ( 4 ) أقصر : أقل .