الغزالي

192

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ « 1 » . قال ابن عبّاس : يزاد فيها وينقص ، وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها ، وتمدّ مدّ الأديم العكاظي « 2 » ، أرض بيضاء مثل الفضّة ، لم يسفك عليها دم ، ولم يعمل عليها خطيئة ، والسماوات تذهب شمسها وقمرها ونجومها . فانظر يا مسكين في هول ذلك اليوم وشدّته ! فإنّه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد « 3 » ، تناثرت من فوقهم نجوم السماء ، وطمس الشمس والقمر ، وأظلمت الأرض لخمود سراجها ، فبينما هم كذلك إذ دارت السماء من فوق رؤوسهم ، وانشقّت مع غلظها وشدّتها خمسمائة عام ، والملائكة قيام على حافّاتها وأرجائها ، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك ! ويا هيبة ليوم تنشقّ فيه السماء مع صلابتها وشدّتها ، ثم تنهار وتسيل كالفضة المذابة ، تخالطها صفرة ، فصارت وردة كالدّهان « 4 » ، وصارت السماء كالمهل « 5 » ، وصارت الجبال كالعهن « 6 » ، وانتشر الناس كالفراش المبثوث ، وهم حفاة عراة مشاة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يبعث الناس حفاة عراة غرلا ، قد ألجمهم العرق ، وبلغ شحوم الآذان » . قالت سودة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم راوية الحديث : قلت : يا رسول اللّه ! واسوأتاه ، ينظر بعضنا إلى بعض ؟ فقال : « شغل الناس عن ذلك بهمّ » لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ « 7 » . فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ، ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات ، كيف وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوههم ، فلا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم ؟ . قال أبو هريرة رضي اللّه عنه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة

--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 48 . ( 2 ) الأديم العكاظي : أي الجلد العكاظي ، والعكاظي نسبة إلى سوق عكاظ بمكة . ( 3 ) الصعيد : الأرض . ( 4 ) كالدهان : هو اللون الأحمر الصرف . ( 5 ) كالمهل : النحاس المذاب قيل الزيت المغلي العكر . ( 6 ) العهن : هو الصوف المصبوغ ألوانا متعددة . ( 7 ) سورة عبس ، الآية : 37 .