الغزالي
182
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
للفقراء ، وإعراضه عن الأغنياء . وقال المؤمّل : ما رأيت الغنيّ أذلّ منه في مجلس الثوريّ ، ولا رأيت الفقير أعزّ منه في مجلس الثوريّ رحمه اللّه . وقال بعض الحكماء : مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما جميعا ، ولو رغب في الجنّة كما يرغب في الغنى لفاز بهما جميعا ، ولو خاف اللّه في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعا . وقال ابن عباس : ملعون « 1 » من أكرم بالغنى وأهان بالفقر . وقال لقمان عليه السلام لابنه : لا تحقرن « 2 » أحدا لخلقان ثيابه ، فإنّ ربّك وربّه واحد . وقال يحيى بن معاذ : حبّك للفقراء من أخلاق المرسلين ، وإيثارك مجالستهم من علامة الصالحين ، وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين . وفي الأخبار عن الكتب السالفة « 3 » ، أنّ اللّه تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام : احذر أن أمقتك فتسقط من عيني فأصبّ عليك الدنيا صبّا . ولقد كانت عائشة رضي اللّه عنها تفرّق مائة ألف درهم في يوم واحد يوجهها إليها معاوية وابن عامر وغيرهما ، وإنّ درعها لمرقوع ، وتقول لها الجارية : لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه ، وكانت صائمة ، فقالت : لو ذكّرتني لفعلت . وكان قد أوصاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء ، وإيّاك ومجالسة الأغنياء ، ولا تنزعي درعك حتى ترقعيه » . وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم ، فأبى عليه أن يقبلها ، فألحّ عليه الرّجل ، فقال له إبراهيم : أتريد أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم ، لا أفعل ذلك أبدا . رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) ملعون : مطرود من رحمة اللّه تعالى . ( 2 ) لا تحقرنّ : لا تصغرّن أحدا من الناس . ( 3 ) الكتب السالفة : أي الكتب التي أنزلها اللّه على الأنبياء كالتوراة والزبور والإنجيل .