الغزالي
180
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
قال : يا رسول اللّه ، واللّه ما وصلت إليك حتى لقيت المشيّبات ، وظننت أنّي لا أراك . فقلت : ولم ؟ قال : كنت أحاسب بمالي » . فانظر إلى هذا ، وعبد الرحمن صاحب السابقة العظيمة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : وهو من العشرة المخصوصين بأنّهم من أهل الجنّة ، وهو من الأغنياء الذين قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إلّا من قال بالمال هكذا وهكذا » ومع هذا استضرّ بالغنى إلى هذا الحدّ . ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على رجل فقير فلم ير له شيئا فقال : « لو قسم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بملوك أهل الجنة ؟ » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « كلّ ضعيف مستضعف ، أغبر أشعث ذي طمرين « 1 » لا يؤبه « 2 » له ، لو أقسم على اللّه لأبرّه » « 3 » . وقال عمران بن حصين : كانت لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منزلة وجاه ، فقال : « يا عمران إنّ لك عندنا منزلة وجاها ، فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ » قلت : نعم ، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، فقام وقمت معه حتى وقف باب فاطمة ، فقرع الباب وقال : « السّلام عليكم أأدخل ؟ » فقالت : ادخل يا رسول اللّه . قال : « ومن معي ؟ » قالت : من معك يا رسول اللّه ؟ قال : « عمران » فقالت فاطمة : والذي بعثك بالحقّ نبيّا ما عليّ إلا عباءة . قال : « اصنعي بها هكذا وهكذا » وأشار بيده . فقالت : هذا جسدي قد واريته فكيف برأسي ؟ فألقى إليها ملاءة كانت عليه خلقة فقال : « شدّي بها رأسك » ثم أذنت له ، فدخل فقال : « السّلام عليكم يا ابنتاه ، كيف أصبحت ؟ » قالت : أصبحت واللّه وجعة « 4 » ، وزادني وجعا على ما بي أنّي لست أقدر على طعام آكله ، فقد أضرّ بي الجوع ، فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « لا تجزعي يا ابنتاه ، فواللّه ما ذقت طعاما منذ ثلاث ، وإني لأكرم على اللّه منك ، ولو سألت ربّي لأطعمني ولكن
--> ( 1 ) طمرين : تثنية طمر وهو الثوب الخلق والبالي . ( 2 ) لا يؤبه : لا ينظر إليه . ( 3 ) لأبرّة : أي لنفذّ له قسمه . ( 4 ) وجعة : من الوجع وهو الألم .