الغزالي

177

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

إلى هلال رجب » قال : فأتيته ، فقال : لا واللّه إلّا برهن . فأخبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، فقال : « أما واللّه إنّي لأمين في أهل السماء ، أمين في أهل الأرض ، ولو باعني أو أسلفني لأدّيت إليه . اذهب بدرعي هذا إليه فارهنه » . فلمّا خرجت ، نزلت هذه الآية : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 1 » وهذه الآية تعزية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدنيا . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الفقر أزين للمؤمن من العذار « 2 » الحسن على خدّ الفرس » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصبح منكم معافى في جسمه ، آمنا في سربه ، عنده قوت يومه ، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها » . وقال كعب الأحبار : قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام : يا موسى ، إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين . وقال عطاء الخراساني : مرّ نبيّ من الأنبياء بساحل ، فإذا برجل يصطاد حيتانا ، فقال : باسم اللّه ، وألقى الشبكة فلم يخرج فيها شيء ، ثم مرّ بآخر فقال : باسم الشيطان ، وألقى شبكته فخرج فيها من الحيتان ما كان يتقاعس من كثرتها . فقال النبيّ عليه السلام : يا ربّ ! ما هذا وقد علمت أنّ كلّ ذلك بيدك ؟ فقال اللّه تعالى للملائكة : اكشفوا لعبدي عن منزلتيهما . فلمّا رأى ما أعدّ اللّه تعالى لهذا من الكرامة ، ولذلك من الهوان قال : رضيت يا ربّ . وقال نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : « اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء » . وفي لفظ آخر : « فقلت : أين الأغنياء ؟ فقيل : حبسهم الجدّ « 3 » » . وفي حديث آخر : « فرأيت أكثر أهل النار النساء ، فقلت : ما شأنهن ؟ فقيل : شغلهن الأحمران ، الذهب والزعفران » .

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 131 . ( 2 ) العذار : مفرد عذاران وهما من الفرس كالعارضين من وجه الانسان . ( 3 ) الجدّ : الغنى والعظمة في الدنيا .