الغزالي
172
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
تبايعون رسول اللّه ! » فبسطنا أيدينا فبايعناه ، فقال قائل منّا : قد بايعناك ، فعلى ماذا نبايعك ؟ قال : « أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وتصلّوا الخمس ، وأن تسمعوا وتطيعوا ، وأسرّ كلمة خفيّة ، ولا تسألوا الناس شيئا » . قال : فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه ، فلا يسأل أحدا أن يناوله أيّاه . وقال عمر رضي اللّه عنه : إنّ الطمع فقر وإنّ اليأس غنى ، وإنه من ييأس عمّا في أيدي الناس استغنى عنهم . وقيل لبعض الحكماء : ما الغنى ؟ قال : قلّة تمنيّك ، ورضاك بما يكفيك . وفي ذلك قيل : العيش ساعات تمر * وخطوب أيّام تكر اقنع بعيشك ترضه * واترك هواك تعيش حر فلربّ حتف ساقه * ذهب وياقوت ودر وكان محمد بن واسع يبلّ الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول : من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد . وقال سفيان : خير دنياكم ما لم تبتلوا به « 1 » ، وخير ما ابتليتم به ما خرج من أيديكم . وقال ابن مسعود : ما من يوم إلّا وملك ينادي : يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك « 2 » . وقال سميط بن عجلان : إنما بطنك يا ابن آدم شبر في شبر ، فلم يدخلك النار ؟ وقيل لحكيم : ما ملك ؟ قال : التجمّل في الظاهر ، والقصد في الباطن ، واليأس مّما في أيدي الناس . ويروى أنّ اللّه عزّ وجلّ قال : يا ابن آدم ، لو كانت الدنيا لك كلّها لم يكن لك منها
--> ( 1 ) تبتلوا : من الابتلاء وهو الامتحان . ( 2 ) يطغيك : يفسدك .