الغزالي
170
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
33 - باب : في فضل القناعة « 1 » اعلم أنّه ينبغي أن يكون الفقير قانعا منقطع الطمع عن الخلق ، غير ملتفت إلى ما في أيديهم ، ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان ، ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس والمسكن ، ويقتصر على أقلّه قدرا ، وأخسّه نوعا ، ويردّ أمله ، إلى يومه ، أو شهره ، ولا يشغل قلبه بما بعد شهر ، فإن تشوّق إلى الكثير ، أو طوّل أمله ، فاته عزّ القناعة ، وتدنّس لا محالة بالطمع وذلّ الحرص ، وجرّه الحرص والطمع إلى مساوىء الأخلاق ، وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات ، وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع ، وقلّة القناعة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو كان لابن آدم وأديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب » . وعن أبي واقد الليثي قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أوحي إليه أتيناه يعلّمنا ممّا أوحي إليه ، فجئته ذات يوم فقال : « إن اللّه عزّ وجلّ يقول : إنّا أنزلنا المال لإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحبّ أن يكون له ثان ، وإن كان له الثاني لأحبّ أن يكون لهما ثالث ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب » . وقال أبو موسى الأشعري : نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت ، وحفظ منها : إنّ اللّه يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ، ولو أنّ لابن آدم واديين من مال لتمنّى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « منهومان لا يشبعان : منهوم العلم ، ومنهوم المال » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يهرم ابن آدم ، ويشبّ معه اثنتان : الأمل وحبّ المال » أو كما قال . ولمّا كانت هذه جبلّة « 2 » للآدمي مضلّة ، وغريزة مهلكة ، أثنى اللّه تعالى ورسوله
--> ( 1 ) القناعة : من قنع قنعا ، وقناعة : رضي بما أعطي ، فهو قانع . ( 2 ) جبلّة : خلقة .