الغزالي

165

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وراغب فيها لم يدرك منها ما طلب ، ولم يروّح نفسه من التعب ، فخرج بغير زاد ، وقدم على غير مهاد ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإنّ صاحب الدّنيا كلّما اطمأنّ منها إلى سرور ، أشخصته إلى مكروه ، الضارّ في أهلها غار ، والنافع فيها غدّار ضار ، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء ، وجعل البقاء فيها إلى فناء ، فسرورها مشوب بالأحزان ، لا يرجع منها ما ولّى وأدبر ، ولا يدرى ما هو آت فينتظر ، أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وصفوها كدر ، وعيشها نكد ، وابن آدم فيها على خطر . إن عقل ونظر ، فهو من النّعماء على خطر ، ومن البلاء على حذر ، فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا ، لكانت الدّنيا قد أيقظت النائم ، ونبّهت الغافل ، فكيف وقد جاء من اللّه عزّ وجلّ عنها زاجر « 1 » ، وفيها واعظ ؟ فما لها عند اللّه جلّ ثناؤه قدر ، وما نظر إليها منذ خلقها ، ولقد عرضت على نبيّك صلّى اللّه عليه وسلّم بمفاتيحها وخزائنها ، لا ينقصه ذلك عند اللّه جناح بعوضة ، فأبى أن يقبلها ، إذ كره أن يخالف على اللّه أمره ، أو يحبّ ما أبغضه خالقه ، أو يرفع ما وضعه مليكه ، فزواها « 2 » عن الصّالحين اختبارا ، وبسطها لأعدائه اغترارا ، فيظنّ المغرور بها ، المقتدر عليها أنّه أكرم بها ، ونسي ما صنع اللّه عزّ وجلّ بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين شدّ الحجر على بطنه . ولقد جاءت الرواية عنه عن ربّه جلّ وعزّ أنّه قال لموسى عليه السلام : إذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجّلت عقوبته ، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين . وإن شئت اقتديت بصاحب الرّوح والكلمة ، عيسى ابن مريم عليه السلام ، فإنّه كان يقول : إدامي الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصّوف ، وسراجي القمر ، ودابّتي رجلاي ، وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض ، أبيت وليس لي شيء ، وأصبح وليس لي شيء ، وليس على الأرض أحد أغنى منّي . وقال وهب بن منبّه : لمّا بعث اللّه عزّ وجلّ موسى وهارون عليهما السلام إلى

--> ( 1 ) زاجر : رادع . ( 2 ) زواها : نحّاها ، وطواها .