الغزالي

160

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقال أيضا : إذا أراد اللّه بعبد خيرا ، أعطاه من الدنيا عطية ، ثم يمسك ، فإذا نفد أعاد عليه ، وإذا هان عليه عبد ، بسط له الدّنيا بسطا . وكان بعضهم يقول في دعائه : يا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنك ، أمسك الدنيا عنّي . وقال محمد بن المنكدر : أرأيت لو أنّ رجلا صام الدهر لا يفطر ، وقام الليل لا ينام ، وتصدّق بماله ، وجاهد في سبيل اللّه ، واجتنب محارم اللّه ، غير أنّه يؤتى به يوم القيامة فيقال : إنّ هذا عظم في عينه ما صغّره اللّه ، وصغر في عينه ما عظّمه اللّه ، كيف ترى يكون حاله ؟ فمن منّا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده ، مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا ؟ وقال أبو حازم : اشتدّت مؤنة الدنيا والآخرة ، فأمّا مؤنة الآخرة فإنّك لا تجد عليها أعوانا ، وأمّا مؤنة الدنيا فإنّك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه . وقال أبو هريرة : الدّنيا موقوفة بين السماء والأرض كالشّنّ « 1 » البالي تنادي ربّها منذ خلقها إلى يوم يفنيها : يا ربّ ، يا ربّ لم تبغضني ؟ فيقول لها : اسكتي يا لا شيء . وقال عبد اللّه بن المبارك : حبّ الدنيا والذنوب في القلب قد احتوشته « 2 » ، فمتى يصل الخير إليه ؟ . وقال وهب بن منبّه : من فرح قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة ، ومن جعل شهوته تحت قدميه فرق « 3 » الشيطان من ظلّه ، ومن غلب علمه هواه فهو الغالب . وقيل لبشر : مات فلان . فقال : جمع الدنيا ، وذهب إلى الآخرة ، وضيّع نفسه . قيل له : إنّه كان يفعل ويفعل ، وذكروا أبوابا من البرّ فقال : وما ينفع هذا وهو يجمع الدنيا ؟

--> ( 1 ) الشّن : القربة . ( 2 ) احتوشته : أماطت به . ( 3 ) فرق : خاف .