الغزالي

149

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

شيئا يلجأ إليه ، فوقعت عينه على خيمة من بعيد ، فأتاها ، فإذا فيها امرأة ، فحاد « 1 » عنها ، فإذا هو بكهف في جبل ، فأتاه فإذا فيه أسد ، فوضع يده عليه وقال : إلهي جعلت لكلّ شيء مأوى « 2 » ، ولم تجعل لي مأوى . فأوحى اللّه تعالى إليه : مأواك في مستقر رحمتي ، لأزوجنّك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيديّ ، ولأطعمنّ في عرسك أربعة آلاف عام ، يوم منها كعمر الدنيا ، ولآمرنّ مناديا ينادي : أين الزهّاد في الدنيا ؟ زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى ابن مريم . وقال عيسى بن مريم عليه السلام : ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها وما فيها ؟ وتغرّه ويأمنها ؟ ويثق بها وتخذله ؟ وويل للمغترّين كيف أرتهم ما يكرهون ، وفارقهم ما يحبّون وجاءهم ما يوعدون ، وويل لمن الدنيا همّه ، والخطايا عمله ، كيف يفتضح « 3 » غدا بذنبه ؟ ! وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : يا موسى ، مالك ولدار الظالمين ؟ إنها ليست لك بدار ، أخرج منها همّك ، وفارقها بعقلك ، فبئست الدار هي إلا لعامل يعمل ، فنعمت الدار هي . يا موسى إنّي مرصد « 4 » للظالم حتى آخذ منه للمظلوم . وروي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا عبيدة بن الجراح ، فجاءه بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة ، فوافوا صلاة الفجر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فلما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انصرف ، فتعرّضوا له ، فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين رآهم . ثم قال : « أظنّكم سمعتم أنّ أبا عبيدة قدم بشيء ؟ » قالوا : أجل يا رسول اللّه . قال : « فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم ، فواللّه ما الفقر أخشى عليكم ، ولكنّي أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها « 5 » كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم » .

--> ( 1 ) حاد : ابتعد . ( 2 ) مأوى : مكان يأوي إليه أو ينزل فيه . ( 3 ) الفضيحة : الشهرة بما يعاب به الانسان . ( 4 ) مرصد : مراقب له . ( 5 ) تتنافسوها : أي تتسابقوا فيها وتبادروا إليها .