الغزالي
146
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
رزقه ، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه . وقال موسى بن يسار : قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا ، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها » . وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام مرّ في موكبه ، والطير تظلّه ، والجنّ والإنس عن يمينه وشماله ، قال : فمرّ بعابد من بني إسرائيل فقال : واللّه يا ابن داود لقد آتاك اللّه ملكا عظيما . قال : فسمع سليمان وقال : لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود ، فإنّ ما أعطي ابن داود يذهب ، والتسبيحة تبقى . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألهاكم التكاثر ، يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت « 1 » ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأبقيت ؟ » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا يقين له » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصبح والدنيا أكبر همّه فليس من اللّه في شيء ، وألزم اللّه قلبه أربع خصال : همّا لا ينقطع عنه أبدا ، وشغلا لا يتفرّغ منه أبدا ، وفقرا لا يبلغ غناه أبدا ، وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا » . وقال أبو هريرة : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أبا هريرة ، ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها ؟ » فقلت : بلى يا رسول اللّه . فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة ، فإذا مزبلة فيها رؤوس أناس ، وعذرات ، وخرق ، وعظام ، ثم قال : « يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم ، وتأمل كأملكم ، ثم هي اليوم عظام بلا جلد ، ثم هي صائرة رمادا ، وهذه العذرات هي ألوان أطعمتهم ، اكتسبوها من حيث اكتسبوها ، ثم قذفوها في بطونهم ، فأصبحت والناس يتحامونها ، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم ، فأصبحت والرياح تصفقها ، وهذه العظام عظام دوابّهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد ، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك » . قال : فما برحنا حتى اشتدّ بكاؤنا .
--> ( 1 ) أفنيت : من الفناء وهو الزوال .