الغزالي

144

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

31 - باب : في ترك الدنيا وذمّها الآيات الواردة في ذمّ الدنيا وأمثلتها كثيرة ، وأكثر القرآن مشتمل على ذمّ الدنيا ، وصرف الخلق عنها ، ودعوتهم إلى الآخرة ، بل هو مقصود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولم يبعثوا إلّا لذلك ، فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها ، وإنّما نورد بعض الأخبار الواردة فيها . فقد روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على شاة ميتة فقال : « أترون هذه الشاة هيّنة على أهلها ؟ » قالوا : من هوانها ألقوها . قال : « والذي نفسي بيده للدّنيا أهون على اللّه من هذه الشاة على أهلها ، ولو كانت الدنيا تعدل « 1 » عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدنيا معلونة « 2 » ، ملعون ما فيها إلا ما كان للّه منها » . وقال أبو موسى الأشعري : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة » . وقال زيد بن أرقم : كنّا مع أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فدعا بشراب ، فأتي بماء وعسل ، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه ، وسكتوا وسكت ، ثم عاد وبكى حتى ظنّوا أنهم لا يقدرون على مساءلته ، قال : ثم مسح عينيه ، فقالوا : يا خليفة رسول اللّه ، ما أبكاك ؟ قال : كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما الذي تدفع عن نفسك ؟ قال : « هذه الدنيا مثّلت لي ،

--> ( 1 ) تعدل : تزن . ( 2 ) ملعونة : مطردوة من رحمة اللّه تعالى .