الغزالي

142

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وفي الحديث : « من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند اللّه أوثق منه بما في يديه » . وقد قيل لحذيفة المرعشي ، وكان قد خدم إبراهيم بن أدهم : ما أعجب ما رأيت منه ؟ فقال : بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ، ثم دخلنا الكوفة ، فأوينا إلى مسجد خراب ، فنظر إليّ إبراهيم وقال : يا حذيفة ! أرى بك الجوع . فقلت : هو ما رأى الشيخ ، فقال : عليّ بدواة وقرطاس ، فجئت به ، فكتب بعد البسملة ، أنت المقصود بكلّ حال ، والمشار إليه بكلّ معنى ، وكتب : أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر * أنا جائع أنا ضائع أنا عاري هي ستّة وأنا الضمين لنصفها * فكن الضمين لنصفها يا باري مدحي لغيرك لهب نار خضتها * فأجر عبيدك من دخول النار ثم دفع إليّ الرقعة « 1 » فقال : أخرج ولا تعلّق قلبك بغير اللّه تعالى ، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك . فخرجت فأوّل من لقيني كان رجلا على بغلة ، فناولته الرقعة ، فأخذها ، فلمّا وقف عليها بكى وقال : ما فعل صاحب هذه الرقعة ؟ فقلت : هو في المسجد الفلاني . فدفع إليّ بصرّة فيها ستمائة دينار ، ثم لقيت رجلا آخر ، فسألته عن راكب البلغة ، فقال : هذا نصراني . فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصة فقال : لا تمسّها فإنه يجيء الساعة . فلما كان بعد ساعة دخل النصراني وأكبّ على رأس إبراهيم يقبّله وأسلم . فائدة : قال ابن عباس لمّا خلق اللّه تعالى حملة العرش قال لهم : احملوا عرشي ، فلم يطيقوا . فخلق مع كلّ واحد منهم مثل من في السماوات السبع من الملائكة ، فقال : احملوا عرشي ، فلم يطيقوا . فخلق مع كلّ منهم مثل من في السماوات السبع من الملائكة ومن في الأرض من الخلق وقال : احملوا عرشي ، فلم يطيقوا . فقال : قولوا : لا حول ولا قوّة إلا باللّه ، فلمّا قالوها حملوه فنفذت أقدامهم في

--> ( 1 ) الرقعة : سعف النخل أو الجريد كان يكتب عليها .