الغزالي

132

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

28 - باب : في بيان ذكر الموت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكثروا من ذكر هاذم اللذات » . معناه نغّصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها ، فتقبلوا على اللّه تعالى . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا » . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه ، هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : « نعم ، من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرّة » . وإنما سبب هذه الفضيلة كلّها أنّ ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور ، ويتقاضى الاستعداد للآخرة . والغفلة عن الموت تدعو إلى الانهماك في شهوات الدنيا . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تحفة المؤمن الموت » . وإنّما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن ، إذ لا يزال فيها في عناء من مقاساة نفسه ، ورياضة شهواته ، ومدافعة شيطانه . فالموت إطلاق له من هذا العذاب ، والإطلاق تحفة في حقّه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الموت كفّارة لكلّ مسلم » . وأراد بهذا المسلم حقّا ، المؤمن صدقا ، الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده ، ويتحقّق فيه أخلاق المؤمنين ، ولم يتدنّس من المعاصي إلا باللّمم « 1 » والصغائر ، فالموت يطهّره منها ، ويكفّرها بعد اجتنابه الكبائر ، وإقامته الفرائض . قال عطاء الخراساني : مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمجلس قد استعلى فيه الضحك فقال : « شوبوا « 2 » مجلسكم بذكر مكدّر اللذّات » قالوا : وما مكدّر اللذات ؟ قال : « الموت » . وقال أنس رضي اللّه عنه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحّص الذنوب ، ويزهّد في الدنيا » .

--> ( 1 ) اللّمم : صغار الذنوب . ( 2 ) شوبوا : اخلطوا .