الغزالي
128
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال رجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّي أكره الموت . قال : « ألك مال ؟ » قال : نعم قال : « قدّم مالك ، فإن المرء عند ماله » . وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال : البرّ في ثلاثة : في النطق والنظر والصمت ، فمن كان منطقه في غير ذكر اللّه فقد لغا ، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها ، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها . وترك الدنيا يكون باطّراح الفكرة في أحوالها ، وترك التمنّي بلذاتها ، فإن الفكرة تبعث الإرادة لتعلّق النفس بالفكرة . وليحذر من إرسال النظر فيما لا يحلّ ، فإنه سهم صائب ، وسلطان غالب . قال عليه الصلاة والسلام : « النظرة سهم من سهام إبليس ، فمن تركها مخافة اللّه تعالى أعقبه إيمانا يجد طعمه في قلبه » . ومن كلام الحكماء : من أطلق طرفه « 1 » كثر أسفه . إدمان النظر يكشف الخبر ، ويفضح البشر ، ويطول به المكث في سقر . احفظ عينيك فإنك إن أطلقتهما أوقعتاك في مكروه ، وإن ملكتهما ملكت سائر جوارحك . قيل لأفلاطون : أيّهما أشدّ ضررا بالقلب السمع أم البصر ؟ قال : هما للقلب كالجناحين للطائر لا يستقل إلا بهما ، ولا ينهض إلا بقوتهما ، وربما قصّ أحدهما فنهض الآخر على تعب ومشقة . وقال محمد بن ضوء : كفى بالعبد نقصانا عند اللّه ، وضعة عند ذوي العقول أن ينظر إلى كلّ ما يسنح له . رأى بعض الزهّاد رجلا يضحك إلى غلام فقال له : يا خرب العقل والقلب ، ويا خرب الطرف ! أما تستحي من كرام كاتبين ، وملائكة حافظين ، يحفظون الأفعال ، ويكتبون الأعمال ، وينظرون إليك ، ويشهدون عليك بالبلاء الظاهر ،
--> ( 1 ) الطرف : هو البصر .