ابو القاسم عبد الكريم القشيري
41
أربع رسائل في التصوف
العبد يخلق الفعل لنفسه بالقدرة الممنوحة له اي بالاستطاعة التي هي فيه . وشرح القشيري عقيدة الأشاعرة في مسألة خلق الافعال فاثبت ان ما يقدر علية العبد بقدرته الحادثة مقدور للّه من قبله ، فاللّه وحده هو موجد الافعال ؛ فلا خالق سواه ، فهو المريد لما خلق وهو قادر على ما وقع من الحوادث وما لم يقع بعد . وان افعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ولا يقدر العباد ان يخلقوا منها شيئا . على أن الانسان ان لم يستطع خلق عمله فهو قادر على كسبه « 1 » في البيت العشرين والواحد والعشرين : إشارة إلى أنه لا يجب على اللّه تعالى شيء ( تقول المعتزلة : يجب على اللّه ان يثيب المطيع ويعاقب مرتكب الكبيرة ) « 2 » ؛ وما أنعم به فهو فضل منه وما عاقب به فهو عدل منه . ويجب على اللّه ما يوجبه اللّه تعالى عليه ولا يستفاد بمجرد العقول وجوب شيء بل جميع الأحكام المتعلقة بالتكليف : متلقاة من قضية الشرع وموجب السمع » « 3 » . فلا علة لثوابه وعقابه وان فعل العبد لا يفرض عليه تعالى ثوابا أو عقابا ، فان شاء غفر وان شاء عذب . ان هي الا مشيئته تعالى وارادته . « وما شاء اللّه كان وما لا يشاء لا يكون » « 4 » والانسان ليس مخيرا أو مسيرا في افعاله بل هو لطف اللّه ورحمته حين « وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين ، ولطف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين » « 5 » . فالأشعري هنا اتخذ طريقا وسطا بين الجبرية التي ترى ان الانسان كالريشة في مهب الريح وانه مجير على افعاله وانه لا استطاعة له أصلا « 6 » ؛ والمعتزلة التي ترى ان العبد هو الذي يخلق افعال نفسه وانه يفعل ما اختار فعله « 7 » وان اللّه لم يخلق افعال العباد لا خيرها ولا شرها وان إرادة الانسان حرة والانسان خالق افعاله .
--> ( 1 ) تبين كذب المفتري : 149 ، لمع الأدلة : 107 . ( 2 ) ضحى الاسلام : 2 - 62 ( 3 ) لمع الأدلة : 108 . ( 4 ) مقالات الاسلاميين 1 - 320 ( 5 ) نفس المصدر 1 - 321 ( 6 ) الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 - 22 ( 7 ) المصدر نفسه .