ابو القاسم عبد الكريم القشيري
52
نحو القلوب
كاشفها بوصف جماله صارت أحوالها عطشا في عطش ، فمن كاشفه بجلاله أفناه ، ومن كاشفه بجماله أحياه ، فكشف الجلال يوجب محوا وغيبة ، وكشف الجمال يوجب صحوا وقربة ، فالعارفون كاشفهم بجلاله فغابوا ، والمحبون كاشفهم بجماله فطابوا ، فمن غاب فهو مهيّم ، ومن طاب فهو متيّم . واعلم أن العابدين شهدوا أفضاله فبذلوا نفوسهم ، والعارفين شهدوا جلاله فبذلوا قلوبهم ، والمحبين شهدوا جماله فبذلوا أرواحهم ، فمن كان له علم اليقين شهد جلاله ، ومن كان له حق اليقين شهد جماله » « 50 » . 7 - وعند قوله تعالى : « وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ . . . » . « الإشارة منه أن العبد في أوان الطلب رقيق الحال ، ضعيف ، مختصر الفهم . . ثم يفكر حتى تزداد بصيرته . . إنه كالقمر - يصير كاملا ، ثم يتناقض ، ويدنو من الشمس قليلا قليلا ، وكلما ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه نقصانا حتى يتلاشى ، ويختفى ولا يرى . . ثم يبعد عن الشمس فلا يزال يتباعد حتى يعود بدرا - من الذي يصرفه في ذلك إلا أنه تقدير العزيز العليم ؟ وشبيه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته ، صاحب تمكين غير متلون ، يشرق من برج سعادته دائما ، لا يأخذه كسوف ولا يستره سحاب . وشبيه القمر عبد تتلون أحواله في تنقله ، فهو في حال من البسط يترقى إلى حد الوصال ، ثم يرد إلى الفترة ، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال ، فيتناقض ، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته ، ثم يجود الحق - سبحانه - فيوفقه لرجوعه عن فترته ، وإفاقته عن سكرته ، فلا يزال يصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال ، ويرزق صفة
--> ( 50 ) التحبير في التذكير 62 تحقيق الدكتور إبراهيم بسيوني وانظر : شرح أسماء الله الحسنى 200 نشره الأستاذ أحمد الحلواني ط أولى 1969 القاهرة .