ابو القاسم عبد الكريم القشيري

49

نحو القلوب

حيث هيمه السكر وتيمه وغيبه ، ولما أفاق تاب وأناب ، ولكنه رأى الحبيب فعاد إلى سكره الذي أفناه ومحاه ! والثمل يبتعد عن عالم الحس ، ويعيش في منطقة فوق عالمنا ، ولكنه بيننا ، والخمر الإلهية لا لغو فيها ولا تأثيم ، لأنها من يد الحبيب ، والمحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه . فالقشيرى كان يعيش بوجدانه لا بغرائزه ، فكان حاله : من مناجاة وقرب إلى طاعة وعبادة ، ومن ذكر ومحبة إلى نجوى وأنس ، فكان الله معبوده ومحبوبه . 4 - وتتناثر الحكمة والموعظة في جوانب شعره ، ولم يكن مبعث ذلك إحساسه بالرحيل ودنو الأجل كغيره ، وإنما كانت جزءا من حياته التي عاشها والتجربة التي صادفها . 5 - أما استشهاده بالشعر ، فكان مصدر اختيار الشاهد عنده ، ما يعانيه من صوفية عارمة ، فهو ينقل الشاهد من مكانه الضيق إلى الرحب الفسيح حيث المذاقات والمكاشفات والمشاهدات ، ولا يختار شواهده إلا بعد تذوقها وفحصها ببصيرة كاشفة ، ثم يحيطها بجو من نفسه ووجدانه ، وعندئذ يصبح الشاهد في بيئته الجديدة أشبه بطاقات النور التي تتحرك إلى غاياتها ، وتتخطى الحجب والحجز ، والأبعاد والآماد . 6 - ونستطيع أن نحكم على القشيري بعد تلك الجولات الواسعة في مؤلفاته وآثاره بأنه كان مقلا في الشعر « 48 » . 4 - أدبه وهذا أدب القشيري ، نقدم جوانب منه ، لنتعرف على اتجاهاته ، وما يحمل من صدق وإشارات ، ومعارج وغايات :

--> ( 48 ) مال إلى هذا الرأي د / إبراهيم بسيوني . اللطائف 6 / 270 ( ه ) .