ابو القاسم عبد الكريم القشيري
235
كتاب المعراج
السماء الثانية ثم رأيت : كأنّي عرجت إلى السّماء الثّانية . فإذا جاءني فوج من الملائكة ، ينظرون إليّ ، كما ينظر أهل المدينة إلى أمير يدخلها . ثم جاءني رأس الملائكة اسمه لاويذ ، وقال : يا أبا يزيد : إن ربّك يقرئك السّلام ، ويقول : أحببتني فأحببتك . فانتهى بي إلى روضة خضرة فيها نهر . يجري حولها ملائكة طيّارة . يطيرون كلّ يوم إلى الأرض مائة ألف مرّة . ينظرون إلى أولياء اللّه . وجوههم كضياء الشّمس . وقد عرفوني معرفة الأرض ، أي في الأرض . فجاءوني وحيّوني . وأنزلوني على شطّ ذلك النّهر . وإذا على حافّتيه أشجار من نور ، ولها أغصان كثيرة متدلّية في الهواء . وإذا على كل غصن منها وكر طير ، أي من الملائكة . وإذا في كل وكر ملك ساجد . ففي كل ذلك أقول : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض عليّ . كن لي يا عزيزي جارا من جميع المستجيرين ، وجليسا من المجالسين . ثم هاج من سرّي شيء من عطش نار الاشتياق . حتى إن الملائكة ، مع هذه الأشجار ، صارت كالبعوضة في جنب همّتي . وكلّهم ينظرون إليّ متعجّبين ، ومدهوشين من عظم ما يرون منّي . ثم لم يزل يعرض عليّ من الملك ما كلّت الألسن عن نعته . ففي كل ذلك علمت أنه بها يجرّبني . فلم ألتفت إليه إجلالا لحرمة ربّي . وكنت أقول : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض عليّ . فلمّا علم اللّه تعالى منّي صدق الإرادة في القصد إليه ، وتجرّدي عمّن سواه ، فإذا أنا بملك قد مدّ يده فجذبني .