ابو القاسم عبد الكريم القشيري

206

كتاب المعراج

الأزليّة ، ومن محلّ الرّبوبيّة . . . ( فوضعه ) ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، في محلّ العبوديّة ، ليظهر آداب العبوديّة للأمّة . ثمّ نقله إلى محلّ الأزليّة ليتأدّب به من هو في ذلك المقام . ثم نقله إلى مقام الربّانيّة ، وهو المعراج الذي أسري به إليه . فأزيل عنه إدراك المقامات والرسوم ، ونقل إلى الحال التي خلق لها من الدنوّ والقربة . قال الأستاذ الإمام « 1 » رضي اللّه عنه : وفي هذا القول غموض من وجوده . ويجب أن يعلم : أن الأزليّة والرّبوبيّة صفة الحقّ سبحانه . وليس لصفته محال . ولا لأحد معه في نعوته اشتراك . ومعنى هذا الكلام : أنه أثبته في صفة العبوديّة ، وهو بمعانقة الطّاعات ومفارقة الزّلات . فتعلم منه الأمّة ذلك وتأدّبوا به . ثم قوله نقل إلى محلّ الأزليّة : يعني ربط قلبه بمشهود الأقدار ، وما سبق به القضاء والتّقدير من الحقّ في آزاله . فما علّمه في الأزل وأراده وأخبر عنه هي السّعادة والشّقاوة . فإن الأمور بالمقادير والسوابق ، لا بأعمال العباد واللّواحق . وقوله : ثم نقله إلى محلّ الرّبوبيّة : يعني شغله عن الإحساس بأحوال المخلوقات والكائنات ، عن العدم ، بما غلب على قلبه من استيلاء ذكر اللّه سبحانه . وما ذكر في وصفه من الدّنوّ والقربة : فهو بعده عن الإحساس بحال نفسه ، واستيلاء ذكره سبحانه عليه . فابتداء القرب من اللّه قرب الكرامة واللّطف ، وشهادة بعد العبد عن

--> ( 1 ) - أي أبي علي الدقّاق .