ابو القاسم عبد الكريم القشيري

150

كتاب المعراج

وسمعت الأستاذ أبا عليّ الدّقّاق يقول : أرسله إلى الخلق ليتعلّموا منه العبادة ، وحمله إلى السّماوات ليتعلّموا منه آداب العبادات . قال اللّه تعالى : ( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ) « 1 » . ويحتمل أن يقال أشهده السّماوات والأرضين ، ومن فيها ليعرّفه أنه لا رتبة لأحد فوق رتبته . فيكون أبلغ في باب كرامته . وقيل : لمّا أقامه مقام الشّهادة ، أشهده تلك الأحوال ، لإزالة حشمة « 2 » تلك المقامات عن قلبه . ونفى الرّوعة عنه ، وحصول الاطمئنان له ، وسكون الجنان . دلالة المعراج على المكان مسألة : فإن قيل : فهل يدلّ حال المعراج على أن المعبود سبحانه في جهة فوق ، حيث رقّاه إلى جهة فوق ؟ قيل : لا يدلّ على ذلك . بل القديم سبحانه ليس له نحو ولا حدّ . ولا له بالمخلوقات اتّصال ، ولا عنها انفصال . والكون في المكان في وصفه محال . وقد كان تعالى ولامكان . وهو الآن على ما عليه كان . والّذي لا آفة ترهقه ، ولا مسافة تلحقه . فإن قيل : فما معنى قوله : ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ) « 3 » . قيل : قد قالوا : ثم دنا من جبريل ، وهو على صورته

--> ( 1 ) - سورة النجم 53 / 17 . ( 2 ) - حشمة : حياء . ( 3 ) - سورة النجم 53 / 8 .