ابو القاسم عبد الكريم القشيري
9
الرسالة القشيرية
لقد حوّل الرسول ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، الحياة إلى عبادة ، فكان العمل عبادة ، وإن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا السعي على المعاش ؛ والجهاد عبادة وإن أفضل الأعمال : الإيمان ، ثم الجهاد . ولقد وصل الأمر به صلوات اللّه وسلامه عليه : أن جعل الأكل والشرب والمشي عبادة . وهكذا أصبحت الحياة حركة وسكونا للّه ، سبحانه ، فأصبحت الحياة كلها عبادة : « قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ » . ولقد وضح هذا الاتجاه منذ اللحظة الأولى للوحي : « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ » ثم إن القرآن كله فسره ، ووضحته أعمال الرسول ، صلوات اللّه وسلامه عليه : الحياة عبادة ، الأنفاس ، والحركات ، والسكنات والنوم ، واليقظة ؛ الحياة كلها بل ، والموت عبادة . تلك هي حياة الصوفية ، وذلك هو معنى الدين ؛ وهو معنى الإسلام ، وهو ما أراده اللّه تصريح آياته الكريمة وهديه المستقيم . * * * إن توضيح هذا ونشره ، والعمل على إحياء معنى الدين ، ونشر الشعور الديني ، وبيان معنى : « الإسلام وقيادة الأمم - من أجل سعادة الإنسانية - لتسلم وجهها للّه . . . ذلك هو المهمة الأولى لعلماء الدين : أجل مهمة ، وأسمى وظيفة . . . إنها وظيفة الأنبياء والرسل . ومن أجل ذلك ومساهمة منا في توضيح الطريق . نشرنا هذا الكتاب راجين اللّه . سبحانه ، أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا . نشرنا هذا الكتاب الذي يتحدث عن الصوفية وعن التصوف . ذلك أن الصوفية هي الطائفة التي تعبد اللّه - في كل عصر - كأنها تراه . وهي الطائفة التي تحس إحساسا واضحا بالفكرة الدينية في معناها العميق . إنهم مثل عليا كأشخاص ، ومثل عليا كمبادئ إنهم أمثلة حية لما ينبغي أن يكون عليه المتدين وهم أمثلة حاولت الكمال في الاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والتخلق باخلاق القرآن .