ابو القاسم عبد الكريم القشيري
70
الرسالة القشيرية
فقال : إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض اللّه تعالى في علمه ، أوخاف هلاك إنسان في بدعة ، وهو يرجو أن ينجيه اللّه تعالى منها « 1 » . وقال : من ظن أن نفسه خير من نفس فرعون « 2 » ، فقد أظهر الكبر . وقال : منذ علمت أن للسلطان فراسة في الأشرار ، ما خرج خوف السلطان من قلبي . وقال : إذا رأيت سكرانا فتمايل ؛ لئلا تبغى عليه ، فتبتلى بمثل ذلك « 3 » . وقال عبد اللّه بن منازل : قلت لأبى صالح : أوصني . فقال : « إن استطعت أن لا تغضب لشئ من الدنيا ، فافعل » . ومات صديق له ، وهو عند رأسه ، فلما مات أطفأ حمدون السراج . فقالوا له : في مثل هذا الوقت يزاد في السراج الدهن . فقال لهم : إلى هذا الوقت كان الدهن له ، ومن هذا الوقت صار الدهن للورثة . وقال حمدون : من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درك درجات الرجال . وقال : لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستورا منك . أبو القاسم الجنيد بن محمد سيد هذه الطائفة وإمامهم « 4 » . أصله من نهاوند . ومنشؤه ومولده بالعراق . وأبوه كان يبيع الزجاج ؛ فلذلك يقال له : « القواريري » .
--> ( 1 ) هذا إذا سلم حال تكلمه من الكبر والعجب والرياء ، ونحوها من الآفات . . كما قال الأنصاري في شرحه . ( 2 ) أي : في الآخرة ، لأنه لا يدرى بم يختم له ، أما الحكم في الحال بأن المؤمن خير من الكافر لا كبر فيه . ( 3 ) المراد ترك الكبر على العصاة ، ورحمتهم ، وصدور الموعظة لهم على وجه الرفق بهم والخوف عليهم . ( 4 ) قال ابن عربى في الفتوحات : هو سيد أهل الطائفة ، كان من الفقهاء المتعبدين على مذهب الشافعية وتفقه على أبي ثور . توفى ببغداد سنة 298 ه ، وكان الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه ، والفقهاء لتقريره ، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه . والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشاراته وحقائقه . ومن حكمه : الإخلاص سر بين العبد وربه لا يعمله ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيهلكه . وقال : بنى الطريق على أربع : لا تتكلم إلا عن وجود ، ولا تأكل إلا عن فافة ، ولا تنم إلا عن غلبة ؛ ولا تسكت إلا عن خشية .