ابو القاسم عبد الكريم القشيري
6
الرسالة القشيرية
ويقول العلامة الشهير : « همبولد » بعد أن يذكر أن ما قام على التجربة والملاحظة : هو أرفع درجة في العلوم : « إن العرب ارتقوا في علومهم إلى هذه الدرجة التي كان يجهلها القدماء تقريبا » . ويتبين لنا من هذا أن الإسلام : - يحث على العلم ويشجعه ، ويدعو إليه ، ويأمر بالاستزادة منه . - وأن روح الإسلام هذه أنتجت حضارة خصبة عمت جميع زوايا الحضارة المادية وجوانبها . * * * بيد أن : « إقرأ » ، أو الأمر بالعلم والثقافة في الإسلام قيّد بأن يكون : « باسم اللّه » ؛ وبذلك ينتفى الإيذاء والضرر في العلم ، وبذلك أيضا تفترق حضارة الإسلام في هذا الجانب عن الحضارة الغربية ، فالحضارة الغربية لم تنشأ : « باسم اللّه » وإنما نشأت : باسم العلم . ومن أجل ذلك سخرت العلم في التنكيل ، والدمار ، والاستعمار ، وإشقاء الإنسانية . . وحضارة الإسلام نشأت باسم اللّه ، ولم تنشأ باسم العلم ، ومن أجل ذلك كان هدف العلم في الإسلام إرضاء اللّه وإسعاد الإنسانية . هذا شأن الإسلام بالنسبة للكون المحس . على أن : « إقرأ باسم ربك الذي خلق » حينما تقيّد العلم والثقافة بأن يكونا : باسم اللّه ، وحينما تصبغ دراسة الكون بصبغة التوجه إلى اللّه ، فإنما تضعنا مباشرة أمام توجيه إلهي سافر - لا لبس فيه - يرشدنا إلى وجوب إعطاء جميع الأعمال التي نقوم بها ، صورة العبادة : ذلك أن ما كان باسم اللّه ، فهو عبادة . وإن : « إقرأ باسم ربك الذي خلق » تنص على أن القراءة لا تكون : باسم منفعة شخصية ، ولا باسم مصلحة إقليمية ، ولا باسم غاية مادية أيا كانت ، ولا باسم وزير ولا أمير ، ولا باسم وطن أو بيئة ، وإنما هي : باسم اللّه ، وإذا كانت باسم اللّه ، فإنها تفيد الشخص باعتباره فردا ، وتفيد المجتمع الخاص الذي نسميه : « وطنا » ؛ وتفيد المجتمع الإسلامي العام ، بل وتفيد الإنسانية جمعاء .