ابو القاسم عبد الكريم القشيري

547

الرسالة القشيرية

واعلم أن أضر الأشياء بالمريد : استئناسه بما يلقى إليه في سره من تقريبات الحق سبحانه له ، ومنته عليه بأنى خصصتك بهذا وأفردتك عن أشكالك ، فإنه « 1 » لو قال « 2 » بترك هذا فمن قريب سيختطف عن ذلك « 3 » مما يبدو له من مكاشفات الحقيقة . وشرح هذه الجملة « 4 » بإثباته في الكتب متعذر . ومن أحكام المريد إذا لم يجد من يتأدب به في موضعه أن يهاجر إلى من هو منصوب في وقته لإرشاد المريدين ، ثم يقيم عليه ، ولا يبرح عن سدته « 5 » إلى وقت الإذن . واعلم أن تقديم معرفة رب البيت - سبحانه - على زيارة البيت واجب ، فلو لا معرفة رب البيت ما وجبت زيارة البيت ، والشبان الذين يخرجون إلى الحج ثم زيارة البيت من هؤلاء القوم « 6 » من غير إشارة إلى الشيوخ فهي « 7 » بدلالات نشاط النفوس ، فهم متوسمون « 8 » بهذه الطريقة ، وليس سفرهم على أصل . والذي يدل على ذلك : أنه لا يزداد سفرهم إلا وتزداد تفرقة قلوبهم ، فلو أنهم ارتحلوا من عند « 9 » أنفسهم بخطوة لكان أحظى لهم من ألف سفرة . ومن شرط المريد إذا زار شخصا أن يدخل عليه بالحرمة « 10 » ، وينظر إليه بالحشمة ، فإن أهله الشيخ لشئ من الخدمة عد ذلك من جزيل النعمة . فصل ولا ينبغي للمريد أن يعتقد في المشايخ العصمة ، بل الواجب أن يذرهم وأحوالهم : فيحسن بهم الظن ويراعى مع اللّه تعالى حده فيما يتوجه عليه من الأمر .

--> ( 1 ) أي المريد . ( 2 ) أي عزم وصمم . ( 3 ) أي يفتح عليه بما هو أعظم . ( 4 ) أي جملة ما يلقى إلى المريد في سره من تقريبات الحق . ( 5 ) باب داره . ( 6 ) يعنى الفقراء . ( 7 ) أي سفرتهم . ( 8 ) أي مظهرون على أنفسهم علاتها . ( 9 ) أي خرجوا على رغبات أنفسهم . ( 10 ) بالأدب والاحترام .