ابو القاسم عبد الكريم القشيري

545

الرسالة القشيرية

فالواجب عند هذا ترك مبالاتهم بتلك الخواطر ، واستدامة الذكر ، والابتهال إلى اللّه باستدفاع ذلك . وتلك الخواطر ليست من وساوس الشيطان ، وإنما هي من هواجس النفس ، فإذا قابلها العبد بترك المبالاة بها ينقطع ذلك عنه . ومن آداب المريد ، بل من فرائض حاله ، أن يلازم موضع إرادته « 1 » ، وأن لا يسافر قبل أن تقبله الطريق ، وقبل الوصول بالقلب إلى الرب ، فإن السفر للمريد في غير وقته سم قاتل ، ولا يصل أحد منهم إلى ما كان يرجى له إذا سافر في غير وقته . وإذا أراد اللّه بمريد خيرا ثبته في أول إرادته ، وإذا أراد اللّه بمريد شرا رده إلى ما خرج عنه من حرفته أو حالته ، وإذا أراد اللّه بمريد محنة شرده في مطارح غربته . هذا إذا كان المريد يصلح للوصول : فأما إذا كان شابا طريقته الخدمة في الظاهر بالنفس للفقراء ، وهو دونهم في هذه الطريقة رتبة ، فهو وأمثاله يكتفون بالترسم في الظاهر ، فينقطعون في الأسفار . وغاية نصيبهم من هذه الطريقة حجات يحصلونها ، وزيارات لموضع يرتحل إليه ، ولقاء شيوخ بظاهر سلام ، فيشاهدون الظواهر ، ويكتفون بما في هذا الباب من السير ، فهؤلاء الواجب لهم دوام السفر ، حتى لا تؤديهم الدعة إلى ارتكاب محظور فإن الشاب إذا وجد الراحة والدعة كان في معرض الفتنة « 2 » . وإذا توسط المريد جمع الفقراء والأصحاب في بدايته فهو مضر له جدا ، فإن امتحن واحد بذلك فليكن سبيله احترام الشيوخ والخدمة للأصحاب ، وترك الخلاف عليهم ، والقيام بما فيه راحة الفقير ، والجهد في أن لا يستوحش منه قلب شيخ . ويجب أن يكون في صحبته مع الفقراء أبدا خصمهم على نفسه ، ولا يكون خصم نفسه عليهم ، ويرى لكل واحد منهم عليه حقا واجبا ، ولا يرى لنفسه واجبا على أحد . ويجب أن لا يخالف المريد أحدا ، وإن علم أن الحق معه يسكت ، ويظهر الوفاق لكل أحد .

--> ( 1 ) أي الخلوة . ( 2 ) أي معرضا لها .