ابو القاسم عبد الكريم القشيري
482
الرسالة القشيرية
وقال الجريري : كونوا ربانيين ، أي سماعين من اللّه ، قائلين باللّه . وسئل بعضهم عن السماع فقال : بروق تلمع ثم تخمد ، وأنوار تبدو ثم تخفى ، ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها طرفة عين ، ثم أنشأ يقول : خطرة في السر منه خطرت * خطرة البرق ابتدى ثم اضمحل أي زور « 1 » لك لو قصدا سرى * وملم بك لو حقا فعل وقيل : السماع فيه نصيب لكل عضو ؛ فما يقع إلى العين تبكى ، وما يقع إلى اللسان يصيح ، وما يقع على اليد تمزق الثياب وتلطم ، وما يقع إلى الرجل ترقص . وقيل : مات بعض ملوك العجم ، وخلف ابنا صغيرا ، فأرادوا أن يبايعوه فقالوا : كيف نصل إلى معرفة عقله وذكائه ؟ . . ثم توافقوا على أن يأتوا بقوال يقول شيئا ؛ فإن أحسن الإصغاء علموا كياسته . فأتوا بقوال ، فلما قال القوال شيئا ضحك الرضيع ، فقبلوا الأرض بين يديه وبايعوه . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : اجتمع أبو عمرو بن نجيد ، والنصراباذى ، والطبقة في موضع ؛ فقال النصراباذى : أنا أقول إذا اجتمع القوم فواحد يقول شيئا ويسكت الباقون خير من أن يغتابوا أحدا . فقال أبو عمرو : لأن تغتاب أنت ثلاثين سنة أنجى لك من أن تظهر في السماع ما لست به . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : الناس في السماع ثلاثة : متسمع ؛ ومستمع ؛ وسامع ؛ فالمتسمع يسمع بوقت ؛ والمستمع يسمع بحال ؛ والسامع يسمع بحق . وسألت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، غير مرة ، شبه طلب رخصة في السماع ، فكان يحيلنى على ما يوجب الإمساك عنه ، ثم بعد طول المعاودة قال : إن المشايخ قالوا : « ما جمع قلبك إلى اللّه سبحانه وتعالى فلا بأس به » .
--> ( 1 ) زور أي زائر .