ابو القاسم عبد الكريم القشيري

476

الرسالة القشيرية

وقيل : أهل السماع على ثلاث طبقات : أبناء الحقائق يرجعون في سماعهم إلى مخاطبة الحق سبحانه لهم ؛ وضرب : يخاطبون اللّه تعالى بقلوبهم بمعانى ما يسمعون ، فهم مطالبون بالصدق فيما يشيرون به إلى اللّه ؛ وثالث : هو فقير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات ، يسمعون بطيبة قلوبهم ، وهؤلاء أقربهم إلى السلامة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا على الروذباري وقد سئل عن السماع ، فقال : مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب وقال الخواص وقد سئل : ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن ولا يجد ذلك في سماع القرآن ؟ فقال : لأن سماع القرآن صدمة لا يمكن لأحد أن يتحرك لشدة غلبته ، وسماع القول ترويح فيتحرك فيه . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول : سمعت الجنيد يقول : إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطلة . وسمعته يقول : سمعت أبا عبد اللّه البغدادي يقول : سمعت أبا سعيد الرملي يقول : قال سهل بن عبد اللّه : السماع علم استأثر اللّه تعالى به لا يعلمه إلا هو . وحكى أحمد بن مقاتل العكى قال : لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية ، ومعهم قوال ، فاستأذنوه أن يقول بين يديه شيئا فأذن ، فابتدأ يقول : صغير هواك عذبنى * فكيف به إذا احتنكا ؟ « 1 » وأنت جمعت من قلبي * هوى قد كان مشتركا أما ترثى لمكتئب * إذا ضحك الخلي بكى قال : فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض ، ثم قام رجل من القوم يتواجد ، فقال له ذو النون : الذي يراك حين تقوم . . فجلس الرجل . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول في هذه الحكاية : كان ذو النون صاحب إشراف على ذلك الرجل ؛ حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه ، وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف ؛ حيث قبل ذلك منه ، فرجع فقعد .

--> ( 1 ) أي استولى قهر .