ابو القاسم عبد الكريم القشيري
465
الرسالة القشيرية
سمعت الأستاذ أباعلى يقول : وصف سهل بن عبد اللّه رجلا بالولاية ( خبازا بالبصرة ) . . فسمع رجل من أصحاب سهل بن عبد اللّه ذلك ، فاشتاق إليه ؛ فخرج إلى البصرة ، فأتى حانوت الخباز . . فرآه يخبز وقد تنقب لمحاسنه « 1 » على عادة الخبازين ، فقال في نفسه : لو كان هذا وليا لم يحترق شعره بغير نقاب . ثم إنه سلم عليه وسأله شيئا ، فقال الرجل : إنك استصغرتنى ، فلا تنتفع بكلامي ، وأبى أن يكلمه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمع عبد الرحمن الرازي أبا عثمان الحيري يصف محمد بن الفضل البلخي ويمدحه ، فاشتاق إليه ، فخرج إلى زيارته ، فلم يقع بقلبه من محمد بن الفضل ما اعتقد ، فرجع إلى أبى عثمان وسأله فقال : كيف وجدته ؟ فقال : لم أجده كما ظننت . فقال : لأنك استصغرته وما استصغر أحد أحدا إلا حرم فائدته ، ارجع إليه بالحرمة « 2 » . فرجع إليه عبد اللّه فانتفع بزيارته . ومن المشهور أن عمر بن عثمان المكي رأى الحسين بن منصور يكتب شيئا ، فقال : ما هذا ؟ فقال : هو ذا أعارض القرآن ، فدعا عليه وهجره ؛ قال الشيوخ : ان ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه تعالى ، يقول : لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد ؛ دعا عليهم وقال : اللهم امنعهم الصدق . فلم يخرج من بلخ بعده صديق . سمعت أحمد بن يحيى الأبيوردى يقول : من رضى عنه شيخه لا يكافأ في حال حياته : لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ ، فإذا مات الشيخ أظهر اللّه عز وجل عليه ما هو جزاء رضاه ومن تغير عليه قلب شيخه لا يكافأ في حل حياة ذلك الشيخ ، لئلا يرق له ، فإنهم مجبولون على الكرم ، فإذا مات ذلك الشيخ ، فحينئذ يجد المكافأة بعده .
--> ( 1 ) أي وضع على وجهه وشعره نقايا لحمايته من حرارة النار . ( 2 ) أي الاحترام .