ابو القاسم عبد الكريم القشيري
434
الرسالة القشيرية
إلهي ، كم تبقينى هاهنا ؟ ! * فما بلغ الغداة الأولى حتى مات وحكى عن أبي على الروذباري أنه قال : رأيت في البادية حدثا ، فلما رآني قال : أما يكفيه أن شغفنى بحبه حتى علني ، ثم رأيته يجود بروحه ، فقلت له : قل لا إله إلا اللّه ، فأنشأ يقول : أيا من ليس لي عنه * وإن عذبنى بد ويا من نال من قلبي * منالا ما له حد وقيل للجنيد : قل لا إله إلا اللّه ، فقال : ما نسيته فأذكره . . وقال : حاضر في القلب يعمره * لست أنساه فأذكره فهو مولاي ومعتمدى * ونصيبي منه أوفره سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول : سمعت عبد اللّه بن علي التميمي يقول : سألت جعفر بن نصير بكران الدينوري ، وكان يخدم الشبلي ، ما الذي رأيت منه ؟ فقال : قال لي على درهم مظلمة ، وقد تصدقت عن صاحبه بألوف ، فما على قلبي شغل أعظم منه ، ثم قال : وضئنى للصلاة ، ففعلت ، فنسيت تخليل لحيته ، وقد أمسك على لسانه ، فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ، ثم مات ، فبكى جعفر وقال : ما تقولون في رجل لم يفته حتى في آخر عمره أدب من آداب الشريعة . سمعت عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني يقول : سمعت أبا الحسن بن عبد اللّه الطرسوسي يقول : سمعت علوشا الدينوري يقول : سمعت المزين الكبير يقول : كنت بمكة - حرسها اللّه تعالى - فوقع أبى انزعاج . فخرجت أريد المدينة . فلما وصلت إلى بئر ميمونة إذا أنا بشاب مطروح ؛ فعدلت إليه وهو ينزع ؛ فقلت له : قل لا إله إلا اللّه . . ففتح عينيه ؛ وأنشأ يقول : أنا إن مت فالهوى حشو قلبي * وبداء الهوى تموت الكرام فشهق شهقة ، ثم مات ، فغسلته ، وكفنته ، وصليت عليه ، فلما فرغت من دفنه سكن ما كان بي من إرادة السفر ، فرجعت إلى مكة . وقيل لبعضهم : أتحب الموت ؟ فقال : القدوم على من يرجى خيره خير من البقاء مع من لا يؤمن شره .