ابو القاسم عبد الكريم القشيري
417
الرسالة القشيرية
باب الصحبة قال اللّه عز وجل : « ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » « 1 » . لما أثبت اللّه سبحانه للصديق الصحبة بين أنه أظهر عليه الشفقة ؛ فقال تعالى : « إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » . فالحر شفيق على من يصحبه . أخبرنا علي بن أحمد الإهوازى ، رحمه اللّه ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصري ، قال : حدثنا يحيى بن محمد الجياني قال : حدثنا عثمان بن عبد اللّه القرشي ، عن نعيم بن سالم ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « متى ألقى أحبابي ؟ فقال أصحابه : بأبينا أنت وأمنا ، أو لسنا أحبابك ؟ فقال : أنتم أصحابي ، أحبابي : قوم لم يروني ، وآمنوا بي ، وأنا إليهم بالأشواق أكثر » « 2 » . والصحبة على ثلاثة أقسام : صحبة مع من فوقك : وهي في الحقيقة خدمة ، وصحبة مع من دونك : وهي تقضى على المتبوع بالشفقة والرحمة ، وعلى التابع بالوفاق والحرمة . وصحبة الأكفاء والنظراء : وهي مبنية على الإيثار والفتوة ؛ فمن صحب شيخا فوقه في الرتبة ، فأدبه ترك الاعتراض ، وحمل ما يبدو منه على وجه جميل ، وتلقى أحواله بالإيمان به . سمعت منصور بن خلف المغربي وسأله بعض أصحابنا : كم سنة صحبت أبا عثمان المغربي ؟ فنظر إليه شزرا « 3 » وقال : إني لم أصحبه ، بل خدمته مدة . وأما إذا صحبك من هو دونك ، فالخيانة في حق صحبته أن لا تنبهه على ما فيه من نقصان في حالته ؛ ولهذا كتب أبو الخير التينانى إلى جعفر بن محمد بن نصير : وزر جهل الفقراء عليكم ؛ لأنكم اشتغلتم بنفوسكم عن تأديبهم ، فبقوا جهلة . وأما إذا صحبت من هو في درجتك ، فسبيلك التعامى « 4 » عن عيوبه ، وحمل
--> ( 1 ) آية 40 من سورة التوبة . ( 2 ) أخرجه الترمذي في صحيحه . ( 3 ) أي بمؤخر العين . ( 4 ) وفي نسخة « التغاضي » .