ابو القاسم عبد الكريم القشيري

4

الرسالة القشيرية

تقديم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ : « وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » . إن معالم الإيمان ، وسمات التدين ! والفكرة الصحيحة عن الهدف الذي من أجله خلق الإنسان ، والمنطق السليم في الصلة بين اللّه والعالم . . . إن كل ذلك يكاد - في العصر الحاضر - يندرس ويتلاشى . وإنه لمن المؤكد ، أن الأغلبية العظمى من الناس الآن يسيرون في الحياة دون شعور واضح برسالة السماء ، وتوجيهها ، وهديها ! ! وإنهم بذلك لفى خسر ، وإنهم بذلك لمن الأشقياء . ومع أن رسالة السماء ، لا تعقيد فيها ، ومع أن هدى اللّه سهل واضح ؛ فان الإنسان يحاول - منذ أن كانت الرسالة الإلهية - ان ينشق عليها ، وأن يقف منها موقف المتمرد . هذه الرسالة ، يمكن تلخيصها في كلمة : « الإسلام » وليس هناك من تعبير أدق ، ولا أجمل من هذا التعبير ؛ إنه دقيق في معناه ، جميل في جرسه . ورسالة اللّه إلى الإنسان : هي أن يلقى الإنسان بقياده إلى خالقه ، هي أن يسلم الإنسان نفسه لربه . والمسلم من أسلم للّه أمره ، إنه الذي يعتنق مبدأ السلام مع اللّه ، فإذا ما اعتنق مبدأ السلام مع اللّه كان قلبه سلاما بالنسبة إلى نفسه : أي هدوءا واطمئنانا ، وسلاما بالنسبة إلى اللّه : أي رضا وغبطة ، وسلاما بالنسبة إلى الخلق ، فيسلم الخلق - للسلام الذي يعمر قلبه - من لسانه ويده . فإذا ما : « اسلم » الإنسان ، فقد استجاب إلى الدعوة الإلهية . * * * هذه الدعوة التي تتسم بالتوحيد ، والوحدة والوحدانية ، والتي يعبر عنها بالإسلام : تختلف في موقفها بالنسبة لتوجيه الإنسان ، بحسب موضوع التوجيه ؛ ذلك أنها توجه الإنسان بالنسبة للطبيعة ، للكون المادي للعالم المحس ، وفي هذا المجال تأمره أمرا ، وتفرض عليه فرضا ، أن يغزو هذا العالم : فيصل إلى أعمق