ابو القاسم عبد الكريم القشيري
380
الرسالة القشيرية
فمضت ، فوجدته ، ثم عادت تشكر له فقيل للجنيد : بم عرفت ذلك ؟ فقال : قال اللّه تعالى : « أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ » « 1 » . وقد اختلف الناس في أن : الأفضل الدعاء ، أم السكوت والرضا ؟ فمنهم من قال : الدعاء في نفسه عبادة ، قال صلى اللّه عليه وسلم « الدعاء مخ العبادة » والإتيان بما هو عبادة أولى من تركه « 2 » ، ثم هو حق اللّه تعالى فإن لم يستجب للعبد ، ولم يصل « 3 » إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه ؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية ، وقد قال أبو حازم الأعرج : لئن أحرم الدعاة أشد على من أن أحرم الإجابة . وطائفة قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتم ، والرضا بما سبق من اختيار الحق أولى ، ولهذا قال الواسطي : اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم خبرا عن اللّه تعالى : « من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » « 4 » وقال قوم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضا بقلبه : ليأتي بالأمرين جميعا . والأولى أن يقال : إن الأوقات مختلفة ، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت ، وهو الأدب ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء ، وهو الأدب ، وإنما يعرف ذلك في الوقت ، لأن علم الوقت إنما يحصل في الوقت فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى ، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى . ويصح أن يقال : ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيا عن شهود ربه تعالى في حال دعائه ، ثم يجب عليه أن يراعى حاله ، فان وجد من الدعاء زيادة بسط « 5 » في وقته فالدعاء له أولى . . . وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء شبه زجر ومثل قبض ،
--> ( 1 ) آية 63 من سورة النمل . ( 2 ) وفي نسخة تركها . ( 3 ) أي العبد . ( 4 ) أخرجه الدارمي في فضائل القرآن . وأخرجه الترمذي في أبواب فضائل القرآن ولفظه : عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن عن ذكرى ، ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائليين ، وفضل كلام اللّه على سائر الكلام كفضل اللّه على خلقه » وقال الترمذي حديث حسن غريب . ( 5 ) وفي نسخة « بسيطة »