ابو القاسم عبد الكريم القشيري
38
الرسالة القشيرية
وسئل ذو النون عن السفلة فقال : من لا يعرف الطريق إلى اللّه ، ولا يتعرفه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : حضرت مجلس ذي النون يوما ؛ وجاءه سالم المغربي ، فقال له : يا أبا الفيض ، ما كان سبب توبتك ؟ قال : عجب لا تطيقه . قال : بمعبودك إلا أخبرتني . فقال ذو النون : أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى ، فنمت في الطريق في بعض الصحارى ، ففتحت عيني ، فإذا أنا بقنبرة « 1 » عمياء سقطت من وكرها على الأرض ، فانشقت الأرض ، فخرج منها « سكرجتان » « 2 » : إحداهما ذهب ، والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم ، وفي الأخرى ماء ، فجعلت تأكل من هذا ، وتشرب من هذا . فقلت : حسبي ، قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلنى اللّه عز وجل . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت علي بن عمر الحافظ يقول : سمعت ابن رشيق : يقول : سمعت أبا دجانة يقول : سمعت ذا النون يقول : لا تسكن الحكمة « 3 » معدة ملئت طعاما . وسئل ذو النون عن التوبة « 4 » فقال : توبة العوام « 5 » تكون من الذنوب ، وتوبة الخواص تكون من الغفلة « 6 » .
--> ( 1 ) طائر . ( 2 ) سكرجتان ( مثنى ، والواحدة سكرجة بضم السين وهي الصحفة التي يوضع فيها الأكل ) : ( 3 ) الحكمة : العلم النافع مع العمل المتقن . قال العروسى : « إن الحكمة حكمتان : منطوق بها ، وهي : علوم الشريعة والطريقة ، ومسكوت عنها ، وهي أسرار الحقيقة التي يفهمها علماء الرسوم والعامة ؛ والحكمة المجهولة : هي ما غاب عنا وجهها من أحكام سر القدر الذي استأثر اللّه بعلمه . وكل ذلك إنما يتوصل إليه بالجوع الموجب للنشاط في العبادة ، والمؤثر في تنوير القلوب حتى تدرك جواهر العلوم » قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه » « حسب المسلم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة » « فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه » . ( 4 ) وهي - على الحقيقة - إقلاع التائب عما يتوب عنه ، وعزمه على أن لا يعود إليه ، ورده ظلامة الآدمي إن تعلقت به . ( 5 ) قال العروسى « أعلم أنهم يريدون من العوام : القائمين بما عليهم من أحكام الأوامر والنواهي ، ثم قال : « حرية العامة بالتخلص من رق الشهوات ، والخاصة بالتخلص من رق العادات ، وخاصة الخاصة بالتخلص من الوقوف مع الأحوال والمقامات حيث تكون لهم أنفة لا ترضى إلا بمشاهدة الذات » . ( 6 ) أي الغفلة عن الطاعات .