ابو القاسم عبد الكريم القشيري

352

الرسالة القشيرية

السلام ، فقلت في نفسي : مسلم يدخل عليه ويسلم عليه فلا يرد سلامه ؟ فقال أبو عثمان : مثل هذا يحج ويدع أمه لا يبرها ؟ . قال : فرجعت إلى « فرغانة » ولزمتها حتى ماتت . ثم قصدت أبا عثمان ، فلما دخلت استقبلني ، وأجلسني ، ثم إن الفرغاني لازمه وسأله سياسة دابته « 1 » ، فولاه ذلك حتى مات أبو عثمان . وقال خير النساج : كنت جالسا في بيتي ، فوقع لي : أن الجنيد بالباب ، فنفيت عن قلبي ، فوقع لي ثانيا ، وثالثا ، فخرجت فإذا بالجنيد ، فقال : لم لم تخرج مع الخاطر الأول ؟ . وقال محمد بن الحسين البسطامي : دخلت على أبى عثمان المغربي ، فقلت في نفسي : لعله يتشهى « 2 » على شيئا ؟ فقال أبو عثمان : لا يكفى الناس أن آخذ منهم حتى يريدوا مسألتي إياهم . وقال بعض الفقراء : كنت ببغداد ، فوقع لي : أن المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهما ؛ لأشترى بها الركوة « 3 » ، والحبل ، والنعل ، وأدخل البادية : قال : فدق على الباب ، ففتح ت ، فإذا أنا بالمرتعش معه خريقة ، فقال : خذها . فقلت : يا سيدي ، لا أريدها . . فقال : فلم تؤذينا ؟ . كم أردت ؟ فقلت : خمسة عشر درهما . فقال : هي خمسة عشر درهما . وقال بعضهم في قوله تعالى : « أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ » « 4 » أي : ميت الذهن فأحياه اللّه تعالى بنور الفراسة ، وجعل له نور التجلي والمشاهدة ، لا يكون كمن يمشى بين أهل الغفلة غافلا . وقيل : إذا صحت الفراسة ارتقى صاحبها إلى المشاهدة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت أبا العباس بن مسروق يقول : قدم علينا شيخ ، فكان يتكلم علينا في هذا الشأن « 5 » بكلام حسن ، وكان عذب اللسان ، جيد الخاطر ، فقال لنا في بعض كلامه : كل ما وقع لكم في خاطركم

--> ( 1 ) أي خدمتها . ( 2 ) وفي نسخة : يشتهى أي يسألني قضاء شئ . ( 3 ) الركوة : الدلو الصغيرة . ( 4 ) آية 122 من سورة الأنعام . ( 5 ) أي في الصوفية .