ابو القاسم عبد الكريم القشيري

345

الرسالة القشيرية

فخرجا . وقالا : ماذا فعلنا ؟ . وتفكرا . فقالا : لعلنا لم نؤد ثمن التفاح ، فأعطياه الثمن ، وعادا إليه . فلما وقع بصره عليهما قال : هذا عجب ، أيمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة ؟ . أخبراني عن شأنكما . . فذكرا له هذه القصة ، فقال : نعم ، كان يعتمد كل واحد منكما على صاحبه في إعطاء الثمن ، والرجل يستحى منكما في التقاضى ، فكان تبقى التبعة ، وأنا السبب ، إنما رأيت ذلك فيكما ، وكان أبو القاسم المنادى هذا يدخل السوق كل يوم ينادى ، فإذا وقع بيده ما فيه كفايته من دانق إلى نصف درهم خرج منه . وعاد إلى رأس وقته ، ومراعاة قلبه . وقال الحسين بن منصور : الحق إذا استولى على سر ملكه الأسرار ؛ فيعاينها ، ويخبر عنها . وسئل بعضهم عن الفراسة ، فقال : أرواح تتقلب في الملكوت . فتشرف على معاني الغيوب ، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة ، لا نطق ظن وحسبان . وقيل : كان بين زكريا الشختنى وبين امرأة سبب قبل توبته ، فكان يوما واقفا على رأس أبى عثمان الحيري ، بعد ما صار من خواص تلاميذه ، فتفكر في شأنها ، فرفع أبو عثمان رأسه إليه وقال : أما تستحى ؟ . قال الأستاذ الإمام ، رحمه اللّه : كنت في ابتداء وصلتي بالأستاذ أبى على الدقاق ، رضى اللّه عنه ، عقد لي المجلس في مسجد « المطرز » فاستأذنته وقتا للخروج إلى ( نسا ) فأذن لي فيه ، فكنت أمشى يوما في طريق مجلسه ، فخطر ببالي : ليته ينوب عنى في مجالسى أيام غيبتي . فمشيت قليلا : فخطر ببالي أنه عليل يشق عليه أن ينوب عنى في الأسبوع يومين ، فليته يقتصر على يوم واحد في الأسبوع ؛ فالتفت إلى وقال : إن لم يمكنى في الأسبوع يومان أنوب عنك في الأسبوع مرة واحدة ، فمشيت معه قليلا ؛ فخطر ببالي شئ ثالث ، فالتفت إلى وصرح بالإخبار عنه على القطع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت جدى أبا عمرو بن تجيد يقول : كان شاه الكرماني حاد الفراسة ، لا يخطئ ، ويقول : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ، وتعود أكل الحلال ، لم تخطئ فراسته .