ابو القاسم عبد الكريم القشيري
294
الرسالة القشيرية
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : من لم يحكم بينه وبين اللّه تعالى التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : كان لبعض الأمراء وزير ، وكان بين يديه يوما ، فالتفت إلى بعض الغلمان الذين كانوا وقوفا ، لا لريبة ، ولكن لحركة أو صوت أحس به منهم ، فاتفق أن ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير في تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم الأمير أنه نظر إليهم ، فجعل ينظر إليه كذلك ، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على هذا الأمير ، وهو أبدا ينظر إلى جانب ، حتى توهم الأمير أن ذلك خلقه ، وحول فيه . فهذه مراقبة مخلوق لمخلوق ، فكيف مراقبة العبد لسيده ؟ . سمعت بعض الفقراء يقول : كان أمير له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من غلمانه ، ولم يكن أكثرهم قيمة ، ولا أحسنهم صورة ؛ فقالوا له في ذلك ، فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره . فيوما من الأيام كان راكبا ومعه الحشم ، وبالبعد منهم جبل عليه ثلج ، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق رأسه ، فركض الغلام فرسه ، ولم يعلم القوم لماذا ركض . . . . فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ومعه شئ من الثلج . فقال له الأمير : ما أدراك أنى أردت الثلج ؟ فقال الغلام : لأنك نظرت إليه ، ونظر السلطان إلى شئ لا يكون عن غير قصد صحيح . فقال الأمير : إنما أخصه باكرامى وإقبالى ؛ لأن لكل أحد شغلا ، وشغله مراعاة لحظاتى ، ومراقبة أحوالي . وقال بعضهم : من راقب اللّه تعالى في خواطره ، عصمه اللّه في جوارحه . وسئل أبو الحسين بن هند : متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية عن مراتع الهلكة ؟ فقال : إذا علم « 1 » أن عليه رقيبا .
--> ( 1 ) ثبت .