ابو القاسم عبد الكريم القشيري

29

الرسالة القشيرية

فقيل : أين هو ؟ فقال : هو بالمرصاد . فقال السائل : لم أسألك عن هذا . . فقال : ما كان غير هذا كان صفة المخلوق . فأما صفته فما أخبرتك عنه . وأخبرنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا على الروذباري يقول : كل ما توهمه « 1 » متوهم بالجهل أنه كذلك فالعقل يدل على أنه بخلافه . وسأل ابن شاهين الجنيد عن معنى : مع « 2 » . فقال : مع ، على معنيين : مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة « 3 » ، قال اللّه تعالى : « إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى » « 4 » . ومع العامة بالعلم والإحاطة « 5 » ، قال تعالى : « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ » « 6 » . فقال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على اللّه . وسئل ذو النون المصري عن قوله تعالى : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » . فقال : أثبت ذاته ونفى مكانه ، فهو موجود بذاته ، والأشياء موجودة بحكمه ، كما شاء سبحانه . وسئل الشبلي « 7 » عن قوله تعالى : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » . فقال : الرحمن لم يزل « 8 » ، والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى « 9 » . وسئل جعفر

--> ( 1 ) توهمه : تخيله . وكل تخيل بالنسبة للّه تعالى إنما هو وهم . ( 2 ) فيما فيه المعية من اللّه بالنسبة إلى خلقه ، نحو قوله تعالى « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » وقوله « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا » . ( 3 ) الكلاءة : الحفظ . . ( 4 ) آية 46 من سورة طه . ( 5 ) وبهذا التفسير ظهر استحالة أن يكون معنى « المعية » المصاحبة أو المجاورة أو المداناة . ( 6 ) آية 7 من سورة المجادلة . ( 7 ) هو : أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي ، بغدادي المولد والمنشأ ، ولد سنة 247 ه وتوفى سنة 334 ه ، صحب الجنيد . وكان إمام زمانه علما وورعا ومعرفة . ( 8 ) أي قديم . ( 9 ) أي والعرش بقدرة الرحمن استوى ، فهو تعالى مستغن عنه وعن غيره ، وإنما خلقه إظهارا لعظمته ، لا مكانا لذاته ، لتعاليه عن ذلك .