ابو القاسم عبد الكريم القشيري
289
الرسالة القشيرية
فاز الصابرون بعز الدارين ؛ لأنهم نالوا من اللّه تعالى معيته : قال اللّه تعالى « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ » « 1 » . وقيل في معنى قوله تعالى : « اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا » الصبر : دون المصابرة ، والمصابرة : دون المرابطة . وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة اللّه تعالى ، وصابروا بقلوبكم على البلوى في اللّه ، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى اللّه . وقيل : اصبروا في اللّه ، وصابروا باللّه ، ورابطوا مع اللّه . وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : تخلق بأخلاقى ، وإن من أخلاقي أنني أنا الصبور . وقيل : تجرع الصبر ، فان قتلك قتلك شهيدا ، وإن أحياك أحياك عزيزا . وقيل : الصبر للّه : عناء ، والصبر باللّه : بقاء ، والصبر في اللّه : بلاء ، والصبر مع اللّه وفاء ، والصبر عن اللّه : جفاء . وأنشدوا : والصبر عنك فمذموم عواقبه * والصبر في سائر الأشياء محمود وأنشدوا : وكيف الصبر عمن حل منى * بمنزلة اليمين من الشمال إذا لعب الرجال بكل شئ * رأيت الحب يلعب بالرجال وقيل : الصبر على الطلب عنوان المظفر ، والصبر في المحن علامة الفرج . سمعت منصور بن خلف المغربي ، رحمه اللّه ، يقول : جرد واحد للسياط ، فلما رد إلى السجن دعا ببعض أصحابه فتفل على يده ، وألقى من فمه دقاق الفضة على يده فسئل ، فقال : كان في فمي درهمان ، وكان على حاشية الحلقة لي عين ، فلم أرد أن أصيح لرؤيته إياي . . . فكنت اعض على الدرهمين . . فتكسرا في فمي . وقيل : حالك التي أنت فبها رباطك ، وما دون اللّه تعالى أعداؤك ، فأحسن المرابطة في رباط حالك .
--> ( 1 ) آية 46 من سورة الأنفال .