ابو القاسم عبد الكريم القشيري
27
الرسالة القشيرية
سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه ، يقول : سمعت عبد الواحد بن علي ، يقول : سمعت القاسم بن القاسم يقول : سمعت محمد بن موسى الواسطي يقول : سمعت محمد بن الحسين الجوهري يقول : سمعت ذا النون المصري يقول ، وقد جاءه رجل فقال : ادع اللّه لي . فقال : إن كنت قد أيدت في علم الغيب « 1 » بصدق التوحيد ، فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك ، وإلا فان النداء لا ينقذ الغرقى « 2 » . وقال الواسطي : ادّعى فرعون الربوبية على الكشف « 3 » ، وادّعت المعتزلة على الستر ، تقول : ما شئت فعلت « 4 » . وقال أبو الحسين النوري : التوحيد : كل خاطر يشير إلى اللّه تعالى ، بعد أن لا تزاحمه خواطر التشبيه . وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه تعالى ، قال : سمعت عبد الواحد بن بكر ، يقول : سمعت هلال بن أحمد يقول . سئل أبو علي الروذباري « 5 » عن التوحيد ، فقال : التوحيد : استقامة القلب باثبات مفارقة التعطيل ، وإنكار التشبيه ، والتوحيد في كلمة واحدة . كل ما صوّره الأوهام والأفكار فاللّه سبحانه بخلافه ، لقوله تعالى « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » « 6 » . وقال أبو القاسم النصراباذى « 7 » : الجنة باقية بابقائه ، وذكره لك ، ورحمته ، ومحبته لك باق ببقائه . فشتان بين ما هو باق ببقائه ، وبين ما هو باق بابقائه « 8 » .
--> ( 1 ) أي في علم اللّه . ( 2 ) أي وإن لم تكن مؤيدا في علم الغيب ، فمجرد الدعاء لا ينتج حصول المطلوب بعينه ، كمجرد نداء الغريق بدون اتخاذ الأسباب لإخراجه من الغرق . ( 3 ) أي بصريح العبارة حيث قال « أنا ربكم الأعلى » . ( 4 ) المعتزلة . ذهبوا إلى أنهم خلقوا أفعالهم الاختيارية ، وقالوا ، ما شئنا فعلنا » والحق نه لا يفعل ما يشا إلا الحق سبحانه تعالى ( 5 ) هو : أبو علي أحمد بن محمد الروذباري ، أقام بمصر ومات بها سنة 322 ه وولد ببغداد . كان إماما من أئمة الصوفية وأعلم أهل زمانه بهما . ( 6 ) آية 11 من سورة الشورى . ( 7 ) هو : أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذى ، كان محدثا زاهدا ورعا وكان في علم التصوف إماما ، مات بمكة سنة 366 ه . ( 8 ) الجنة : وما أعده اللّه فيها المؤمنين ، كل ذلك من الذي يبقى بابقاء اللّه تعالى له . ومحبة اللّه ، وذكره لعبده ، من الذي يبقى ببقاء الذات : فالثاني أفضل وأشرف من الأول .