ابو القاسم عبد الكريم القشيري
249
الرسالة القشيرية
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى السقطي يقول : إن نفسي تطالبنى ، منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة ، أن أغمس جزرة في دبس « 1 » فما أطعتها « 2 » . وسمعته يقول : سمعت جدى يقول : آفة العبد : رضاه من نفسه بما هو فيه . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازي يقول : سمعت الحسين بن علي القرمسينى يقول : وجه عصام بن يوسف البلخي شيئا إلى حاتم الأصم ، فقبله منه . فقيل له : لم قبلته ؟ . فقال : وجدت في أخذه ذلى وعزه ، وفي رده عزى وذله ؛ فاخترت عزه على عزى وذلى على ذله . وقيل لبعضهم : إني أريد أن أحج على التجريد . فقال له : جرد أولا قلبك عن السهو ، ونفسك عن اللهو ؛ ولسانك عن اللغو ، ثم اسلك حيث شئت . وقال أبو سليمان الدارانى : من أحسن في ليله كوفئ في نهاره ، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله ، ومن صدق في ترك شهوة كفى مؤنتها ، واللّه أكرم من أن يعذب قلبا ترك شهوة لأجله . وأوحى اللّه سبحانه إلى داود عليه السلام : يا داود ، حذر ، وأنذر أصحابك أكل الشهوات ؛ فان القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عنى محجوبة . ورئى رجل جالسا « 3 » في الهواء ، فقيل له : بم نلت هذا ؟ فقال : تركت الهوى فسخر لي الهواء .
--> ( 1 ) الدبس : عسل التمر وعسل النحل . ( 2 ) وفي نسخة « فما أطعتها » . ( 3 ) وفي نسخة « جالس » .